بين بيانات التبنّي المتسارعة وعمليات أمنية مضادة تُعلن “تحييد الخلايا”، يعود تنظيم الدولة إلى واجهة المشهد في شرق سوريا، لا كقوة مسيطرة على الأرض، بل كتنظيم يسعى لإثبات الحضور عبر ضربات خاطفة.
أعلن تنظيم الدولة الإرهابي تبنّي ثلاث هجمات جديدة في الرقة ودير الزور، ضمن موجة قال إنها بلغت سبع عمليات بين 18 و24 شباط/فبراير.
وتنوّعت الهجمات بين إطلاق نار مباشر واستخدام مسدسات، واستهدفت مواقع وحواجز أمنية في السباهية غرب الرقة، إضافة إلى الميادين والبوكمال وقرى في ريف دير الزور، مع إعلان سقوط قتلى وجرحى في صفوف عناصر أمنية.
التنظيم تحدث عن “هجوم انغماسي” استهدف موقعاً للأمن الداخلي في السباهية، وزعم مقتل أربعة عناصر وإصابة ثلاثة قبل وصول تعزيزات.
وجاء التصعيد بعد رسالة صوتية منسوبة للمتحدث “أبو حذيفة الأنصاري”، هي الأولى منذ عامين، دعا فيها إلى مهاجمة “الحكومة السورية الجديدة” وتوعّد بتكثيف الهجمات داخل البلاد.
إثبات حضور لا سيطرة ميدانية
يرى مراقبون أن التنظيم يحاول، عبر استهدافات متفرقة، ترسيخ ما يُعرف باستراتيجية “بث الرعب” دون الحاجة إلى السيطرة على مدن أو مراكز رئيسية، فالهجمات المحدودة زمنياً وجغرافياً تمنحه قدرة على الظهور الإعلامي، مع كلفة ميدانية منخفضة مقارنة بمحاولات التمركز أو فرض نفوذ مناطقي.
في المقابل، تستند قراءة أخرى إلى أن هذه العمليات تمثل “صحوة موت” أكثر منها عودة فعلية؛ إذ يفتقر التنظيم، وفق هذا التقدير، إلى حاضنة محلية في بيئة لا تزال ذاكرتها مثقلة بتجربة حكمه السابقة، كما يفتقد مصادر تمويل ذاتي مستدامة بعد خسارته السيطرة على حقول النفط أو المعابر الحيوية، ما يحدّ من قدرته على إعادة بناء نموذج “الدولة” الذي تبناه سابقاً.
عمليات استباقية ورسائل طمأنة
من جهته، أعلن قائد الأمن الداخلي في الرقة، العقيد رامي أسعد الطه، تنفيذ سلسلة عمليات أمنية “نوعية ومتزامنة” فجر اليوم، استناداً إلى معلومات استخباراتية، أسفرت عن تحييد متزعّم الخلية المسؤولة عن الهجمات الأخيرة وأحد عناصرها، واعتقال أربعة آخرين، مع ضبط أسلحة وذخائر، مؤكداً استمرار عمليات التمشيط وتعزيز الإجراءات الوقائية في الحواجز والمراكز الأمنية.
كما شددت وزارة الداخلية السورية على أن التنظيم “لا يملك القوة لتغيير شيء على الأرض”، معتبرة أنه يسعى فقط لإثبات الوجود، مؤكدة أن عودته بالشكل السابق “غير ممكنة” في ظل انتهاء حالة عدم الاستقرار الواسعة، مشيرة إلى تنفيذ عمليات عدة ضد خلاياه في الرقة ودير الزور، والإعلان عن مؤتمر صحفي مرتقب لبحث ملف مخيم الهول، أحد أبرز التحديات الأمنية المرتبطة بعائلات وعناصر التنظيم.
هجمات تنظيم الدولة ما بين العودة الفعلية أو إثبات الوجود
يقول الباحث والمحلل السياسي وائل علوان لموقع Syria One: "لا يمكن القول إن عمليات التنظيم بعد الانسحاب الأمريكي وبعد انحسار مناطق سيطرة قسد هي مجرد عمليات رمزية، لكن في نفس الوقت هذه العمليات والتحرك النشط جداً يتعمد فيه التنظيم تضخيم دوره وحجمه ووضعه لكي يعطي انطباع وصورة بأنه جاهز للتحرك الأمني والتحرك الميداني"، وأضاف بالقول: "وابتدأت العمليات هذا الحجم من التحرك ببيان صوتي نُشر يؤكد أن هناك جاهزية وبنية متماسكة وقدرة قتالية عالية".
وأشار علوان إلى أن هذه الصورة هي الرسالة الأساسية التي يريد تنظيم الدولة إيصالها، وتابع بالقول: "هذه الصورة أو هذه الرسائل، المستهدف بها بشكل رئيسي هو عملية التجنيد التي يحتاجها التنظيم اليوم بمعنى أن هذه الصورة ليست صورة دقيقة وهي ليست عمليات رمزية ولكن في نفس الوقت هي عمليات يريد منها التنظيم أن يعطي هالة كبيرة لعمله وحجمه وأيديولوجيته المتماسكة من أجل الترغيب في التجنيد اليوم بعد هذا الفراغ في عملية الانتقال ما بين قسد إلى الحكومة السورية في مناطق واسعة، وأيضاً الاستثمار بحالة معيشية صعبة وحالة عدم استقرار تتوقعه قسد في مناطق شمال شرق سوريا".
مدى قدرة الدولة السورية على منع إعادة تشكّل بيئة حاضنة للتنظيم
أكد الباحث السياسي خلال حديثه لـ "Syria One" أن الحكومة السورية اليوم قادرة بشكل جيد على منع إعادة تشكيل بيئة حاضنة للتنظيم من ناحية الأيديولوجية والأمنية، متابعاً بالقول: "لكن هناك دور اقتصادي ودور اجتماعي ما تزال الحكومة السورية غير قادرة له ولا تمتلك الأدوات والموارد الكافية من أجل التخلص من آثاره السلبية فالواقع الاجتماعي المفكك والحالة المعيشية المزرية تترك آثارها بشكل كبير جداً على الواقع الأمني فالحكومة السورية لديها قدرة على ضبط المشهد الأمني لكن دوافع الاضطراب والخلل الأمني من الناحية الاجتماعية وتفكك الحوامل الاجتماعية يحتاج إلى وقت وجهد أكبر وشراكة مع المجتمع المدني، مشيراً أيضاً إلى أن "الحالة الاقتصادية لها دور مهم وكبير جداً في الخلل الأمني وخلل على مستوى الاستقرار في المنطقة قد يحاول التنظيم الاستثمار فيه بشكل مستمر".
الفراغ بعد الانسحاب
تأتي هذه التطورات في سياق تساؤلات حول قدرة دمشق على ملء أي فراغ أمني خلّفه تقليص أو انسحاب القوات الأمريكية من بعض المناطق، فبينما تؤكد السلطات أن تجربتها في مكافحة التنظيم “الأفضل” من حيث تفكيك البيئة الحاضنة وسردية الغلو، يرى خبراء أن التحدي يكمن في الاستدامة: أي منع تحوّل الخلايا النائمة إلى شبكات أكثر تنظيماً مستفيدة من الثغرات الأمنية أو الاقتصادية.
حتى الآن، تبدو هجمات داعش أقرب إلى عمليات استنزاف رمزية منها إلى مشروع عودة شاملة، غير أن استمرارها بوتيرة متصاعدة قد يفرض معادلة أمنية جديدة في شرق سوريا، حيث يتقاطع البعد المحلي مع الحسابات الإقليمية.
وبين رواية “إثبات الوجود” وفرضية “التهديد المتجدد”، تبقى الأرض هي الفيصل في تحديد ما إذا كان التنظيم يعيش لحظة عابرة أم يحاول إعادة تشكيل نفسه في الظل.






