لم تعد سنوات التقاعد محطة للاستراحة بعد عقود من العمل والعطاء، بل بداية لمواجهة قاسية مع واقع معيشي فرض على قامات معرفية ومدرسين وموظفين سابقين خوض مهن شاقة وهامشية بعدما تآكلت رواتبهم التقاعدية.
يتجاوز هذا التحول حدود الحاجة المادية ليصبح صدمة نفسية حادة تعيد تشكيل الصورة الذاتية، حيث يحمل الانتقال المفاجئ من القاعات الوظيفية إلى عناء الشارع انكساراً معنوياً بالغ القسوة.
من السبورة إلى البسطة
أبو عامر (اسم مستعار)، مدرس تاريخ سابق، راتبه التقاعدي يكفي مصاريف المنزل لمدة لا تتجاوز الأسبوع، يبيع بعض المنتجات الغذائية المنزلية على بسطة في منطقة البرامكة.
يقول لـ Syria One: تقاعدت منذ حوالي عشر سنوات، وكانت الأمور كما يقال بالعامية "مقضية"، لكن مؤخراً، أصبحت الحالة سيئة جداً، وما عدت قادراً على تأمين متطلبات الحياة ومصاريف أولادي، اثنان منهما طلاب جامعات يحتاجان لمئات الآلاف شهرياً للوصول إلى الجامعة فقط، وأمور كثيرة دفعتني للتعامل مع سيدات ينتجن غذائيات في منازلهن، وأقوم أنا ببيعها ونتقاسم الأرباح".
يتابع أبو عامر بأنه كان مدرس لمادة التاريخ، وهي مادة لا تدخل في حساب الأهالي من نتخية الدروس الخاصة كالعربي أو المواد العلمية، لذا فإن البقاء ضمن الاختصاص لم يكن متاحاً.
ويختم أبو عامر لـ Syria One: أتمتى فقط ألا ألتقي بأحد طلابي السابقين.
صورتين متناقضتين
وفي قراءة نفسية لهذا الواقع، توضح الاختصاصية النفسية مرح خضور لـ Syria One أن الصعوبة الحقيقية لا ترتبط بالعمل بحد ذاته، بل بالتنقل المفاجئ بين صورتين متناقضتين، صورة الإنسان كصاحب مكانة وخبرة وتأثير، وصورته كشخص يكافح يومياً بظروف لا تشبه تاريخه، وهو ما يخلق حالة تُعرف بـ "صدمة المكانة" حيث يتراجع الدور الاجتماعي وتُهدد الهوية التي بناها المرء طوال حياته، علماً أن الإنسان لا يفقد قيمته في مختلف مراحل العمر لمجرد تغير دوره أو تقدمه في السن.
وتضيف خضور في حديثها لـ Syria One: "هذا الانتقال من دور قيادي أو معرفي إلى عمل شاق يتسبب بمشاعر من الحزن والإحباط والعجز، حيث لا يقتصر الأذى على العبء المادي، بل يمتد إلى صراع داخلي يؤدي غالباً إلى العزلة الاجتماعية والإحساس بأن سنوات العطاء لم تُقدَّر كما يجب."
وتؤكد الاختصاصية النفسية عبر Syria One أن المكانة الاجتماعية ليست مجرد لقب، بل هي جزء أساسي من إحساس الإنسان بقيمته، مشددة على دور المجتمع في التعامل مع هذه الفئة: "من المهم التعامل مع كبار السن باحترام بعيداً عن الشفقة، والاستماع إلى تجاربهم والإيمان بأن خبراتهم ما زالت ذات قيمة. كل شخص نراه اليوم في الشارع حكاية طويلة من العطاء، وهم بحاجة إلى نظرة إنسانية تعيد لهم إحساسهم بقيمتهم وكرامتهم مهما تغيرت ظروفهم."
وبين قسوة الأعمال الجديدة والغياب التام للأمان الاقتصادي، تبقى الحاجة ملحّة لنظرة مجتمعية واعية تحفظ لهؤلاء كبرياءهم وتاريخهم.






