تزايدت في الآونة الأخيرة عبر صفحات ومجموعات على موقع "فيسبوك" دعوات تقدم ما تصفه بـ"فرص عمل عبر الإنترنت"، مستفيدة أحياناً من شعارات وأسماء تمنح هذه الإعلانات مظهراً رسمياً، بينها شعارات مرتبطة بشركات سورية أو بجهات حكومية، إضافة إلى شعارات شركات وخدمات للدفع الإلكتروني مثل "شام كاش".
ومع ازدياد اعتماد السوريين على الخدمات الإلكترونية، تتزايد في المقابل المخاوف من صفحات تستغل حاجة الناس إلى العمل والدخل، لتقودهم إلى منصات تطلب منهم بيانات شخصية أو مبالغ مالية تحت مسميات مختلفة.
بداية تبدو مجانية وبسيطة
من خلال تجربة ومراسلة عدد من الصفحات التي تنشر إعلانات عن فرص العمل، يظهر نمط متكرر في طريقة استدراج المستخدم.
تبدأ العملية عادة بطلب التسجيل المجاني، عبر إدخال معلومات بسيطة مثل الاسم والعمر والمهنة.
بعدها يُطلب من المستخدم الانتقال إلى تطبيق "تلغرام"، ثم التسجيل في منصة معينة باستخدام البريد الإلكتروني ورقم الهاتف وكلمة المرور، مع الموافقة على الشروط.
في هذه المرحلة لا يدفع المستخدم شيئاً، ما قد يعطيه انطباعاً بأن الأمر يتعلق بفرصة عمل حقيقية.
طلبات بسيطة..ثم طلب أول مبلغ
بعد التسجيل، تبدأ ما تسمى "المهام"، وهي في بعض الحالات عبارة عن تقييمات أو استبيانات أو إجراءات إلكترونية بسيطة.
وبعد تنفيذ المهمة الأولى، تظهر رسالة تهنئة للمستخدم، مع إبلاغه بأنه أتم المهمة بنجاح.
ثم تأتي الخطوة التالية: دفع مبلغ مالي صغير بحجة "تثبيت المشاركة" أو "تفعيل الحساب" أو الانتقال إلى المرحلة التالية.
وقد يبدو المبلغ في البداية محدوداً إلى درجة لا تدفع المستخدم إلى الشك، خصوصاً إذا كان قد شاهد أمامه رصيداً مالياً يتزايد على المنصة.
الاستمرار يعني مبالغ أكثر
بعد دفع المبلغ الأول، يُطلب من المستخدم تنفيذ مهام جديدة، ومع كل مرحلة قد ترتفع قيمة المبلغ المطلوب دفعه.
من 300 ليرة مثلاً، إلى ألف أو ألفي ليرة، ثم مبالغ أكبر، وفق الآلية التي تتبعها المنصة.
وهنا يجد المستخدم نفسه أمام خيارين: إما الاستمرار في الدفع أملاً في الوصول إلى مرحلة سحب الأرباح، أو التوقف وخسارة ما دفعه سابقاً.
وهذه النقطة تحديداً، قد تدفع البعض إلى الاستمرار، لأنهم لا يريدون خسارة الأموال التي سبق أن دفعوها.
رصيد على الشاشة.. لكن هل يمكن سحبه؟
أحد عناصر الجذب في هذه الأساليب يتمثل في ظهور رصيد مالي داخل حساب المستخدم.
وقد يشعر الشخص أنه بدأ فعلاً بتحقيق أرباح، لكن المشكلة تظهر عندما يحاول تحويل هذا الرصيد إلى أموال حقيقية.
عندها قد يُطلب منه دفع مبلغ جديد بحجة استكمال شروط السحب أو رفع مستوى الحساب أو دفع رسوم معينة.
وتتحول العملية بذلك من "عمل مقابل أجر" إلى سلسلة متتابعة من الدفعات المالية.
الشعارات الرسمية.. عامل إضافي للثقة
الأمر لا يتوقف عند طريقة تقديم المهام ,فبعض الصفحات تستخدم شعارات جهات رسمية أو شركات معروفة، ما قد يمنح الإعلان مصداقية إضافية لدى المستخدم.
وقد يظهر في الإعلان شعار حكومي أو شعار شركة للدفع الإلكتروني، فيعتقد المواطن أن هناك جهة رسمية تقف وراء العرض.
وهنا تبرز أهمية السؤال عن كيفية استخدام هذه الشعارات، وما إذا كانت الجهات المعنية تتابع الصفحات التي تستخدم أسماءها وعلاماتها التجارية من دون تفويض.
تجربة تكشف انتحال صفة موظف
وفي إحدى الحالات التي اطلع عليها موقع Syria One، لجأت صاحبة حساب إلى صفحة ادعت أنها تابعة لخدمة "شام كاش" بعد تعرضها لمشكلة تتعلق بسحب راتبها.
وتروي السيدة سعاد بيطار لـ Syria One من اللاذقية أنها تواصلت مع شخص عبر رقم "واتساب" منشور على الصفحة، وعرّف عن نفسه بأنه موظف في الشركة.
وبحسب روايتها، طلب منها الشخص معلومات ورموزاً مرتبطة بحسابها، ثم أبلغها بأنه سيعطيها رقم موظف لدى شرجة حوالات لمساعدتها في حل المشكلة.
لكن عندما توجهت إلى الشركة، تقول بيطار إن الموظفين نفوا معرفتهم بالشخص المذكور.
وبعد تفقد حسابها، اكتشفت، وفق روايتها، أنه تعرض للسحب بالكامل.
وتقول إنها تقدمت بشكوى إلى قسم الجرائم الإلكترونية والقضاء، وما تزال تنتظر نتائج القضية.
وبحسب ما نقلته عن مجريات التحقيق، تبيّن أن الرقم المستخدم في التواصل كان من خارج القطر ، لكنه مرتبط بحساب لشخص متقاعد، وبحساب آخر أيضاً، مع احتمال أن يكون أصحاب هذه الحسابات ضحايا بدورهم.
روابط تحمل أسماء شركات معروفة
هناك أسلوب آخر يتمثل في إرسال روابط تحمل أسماء أو شعارات شركات معروفة، وإقناع المستخدم بأنها روابط رسمية.
وفي حالة أخرى، يقول شعلان العلي لـ Syria One إنه اشترك في أحد برامج التجارة الإلكترونية، وطُلب منه المشاركة في استبيان، قبل أن يصل رصيده، بحسب روايته، إلى نحو 600 ليرة.
بعد ذلك طُلب منه تقييم شركة "شام كاش"، وأُرسل إليه رابط يحمل اسم الشركة وشعارها.
وعند محاولة الدخول إلى الرابط، يقول العلي إن المتصفح أظهر تحذيراً يفيد بأن الموقع قد يكون خطراً، وسأله عما إذا كان يريد المتابعة.
ويقول إنه اختار التوقف وعدم متابعة الدخول، خشية تعرض حساباته أو بياناته للاختراق.
المفارقة أن بعض الصفحات التي تقدم نفسها على أنها صفحات توعية أو حماية من الاختراق قد تطلب من المستخدم الضغط على روابط أو إدخال معلومات شخصية.
وهنا تكمن المشكلة: المستخدم العادي قد لا يستطيع التمييز دائماً بين الصفحة الحقيقية والصفحة التي تنتحل صفة شركة أو مؤسسة.
وكلما كان التصميم قريباً من الشكل الرسمي، واستخدمت الصفحة شعاراً معروفاً، ازدادت احتمالية وقوع المستخدم في الخطأ، والخسارة لا تعني انتهاء القصة، فالمشكلة الأخطر أن بعض من يخسرون أموالهم لا يتوقفون عن البحث عن فرص أخرى.
فقد يدخل الشخص إلى صفحة جديدة على أمل تعويض خسارته السابقة، ثم يجد نفسه أمام منصة أخرى تطلب منه دفع مبالغ جديدة.
وهكذا يمكن أن تتحول محاولة البحث عن دخل إضافي إلى دائرة متكررة من الخسائر.
ماذا عن مسؤولية الشركات؟
استخدام اسم شركة للدفع الإلكتروني أو شعارها في صفحات مشبوهة يطرح سؤالاً مباشراً حول دور الشركة في حماية علامتها التجارية وعملائها.
وفي حالة "شام كاش"، يبرز السؤال بشكل خاص مع انتشار الاعتماد على خدمات الدفع الإلكتروني:
ما موقف الشركة من الصفحات التي تستخدم اسمها أو شعارها من دون تفويض؟
وهل توجد آلية واضحة يستطيع المواطن من خلالها إرسال رابط الصفحة المشبوهة أو الحساب الذي ينتحل صفة الشركة، ليتم التحقق منه واتخاذ الإجراء المناسب؟
وماذا عن الجهات الرسمية؟ورد خدمة العملاء إذا كانت الإعلانات تستخدم شعارات وزارات أو مؤسسات حكومية لإضفاء المصداقية على عروض العمل، فإن السؤال لا يقتصر على الشركات الخاصة.
بل يشمل أيضاً الجهات التي تظهر شعاراتها في هذه الإعلانات.
هل تتابع هذه الجهات استخدام شعاراتها على وسائل التواصل الاجتماعي؟
وهل تقوم بإبلاغ المستخدمين بشكل دوري بالحسابات والصفحات الرسمية الوحيدة التابعة لها؟
وهل توجد إجراءات قانونية بحق من يستخدم هذه الشعارات للإيحاء بوجود علاقة رسمية غير موجودة؟
حاول محرر Syria One تقديم شكوى عبر خدمة العملاء في تطبيق "شام كاش" فكان الرد: "اهلاً وسهلاً.. نؤكد أن خدماتنا متاحة من خلال تطبيق شام كاش وبوابات الدفع الرسمية المدمجة ضمنه وفي حال تعرضكم لأي نشاط مريب أو احتيالي نرجو منكم التوجه لتقديم شكوى جنائية لدى الجهات الأمنية المختصة.. هذه الصفحات مزيفة واحتيالية يرجى الحذر وعدم مشاركة معلوماتك مع الغرباء".
ما الذي يحتاجه المواطن؟
وسط انتشار هذه الأساليب، يحتاج المستخدم بحسب الخبير التقني عامر الأحمد إلى مجموعة من القواعد البسيطة:
- عدم دفع المال للحصول على وظيفة أو "تفعيل" فرصة عمل قبل التحقق من الجهة.
- عدم مشاركة كلمة المرور أو رمز التحقق مع أي شخص.
- عدم الضغط على روابط مجهولة تصل عبر "واتساب" أو "تلغرام".
- التأكد من عنوان الموقع الإلكتروني قبل إدخال البيانات.
- عدم الوثوق بالشعار وحده، لأن الشعار يمكن نسخه واستخدامه على صفحات غير رسمية.
- التواصل مع الشركة أو المؤسسة عبر قنواتها الرسمية للتأكد من أي عرض.
- الاحتفاظ بصور المحادثات والإيصالات وأرقام الحسابات عند الاشتباه بعملية احتيال، وتقديم بلاغ للجهات المختصة.
المشكلة اليوم لم تعد مجرد إعلان مجهول يظهر على "فيسبوك".
إذ يبدو وبشكل جلي أن الناس أمام منظومة تستفيد من حاجتهم إلى العمل، ومن ثقة المستخدمين بأسماء وشعارات مؤسسات وشركات معروفة، ومن انتشار خدمات الدفع الإلكتروني.
لذلك تبرز مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة من الجهات المعنية:
ما حجم الصفحات التي تنتحل أسماء الشركات والمؤسسات؟
كم عدد الشكاوى التي وصلت إلى شركات الدفع الإلكتروني بسبب هذه الصفحات؟
ما الإجراءات التي تتخذها الشركات عند اكتشاف صفحة تستخدم شعارها أو تنتحل صفة أحد موظفيها؟
وهل توجد آلية سريعة للإبلاغ عن هذه الصفحات وإغلاقها؟
وفي حال كانت الجهات التي تدير هذه المنصات موجودة خارج سورية، كيف تتم ملاحقتها والتعاون معها قانونياً؟
وأخيراً، يبقى السؤال الأهم للمواطن: كيف يستطيع أن يعرف أن فرصة العمل التي أمامه حقيقية، وأن الصفحة التي تحمل شعاراً معروفاً هي فعلاً الصفحة الرسمية وليست مجرد واجهة لعملية احتيال؟






