تحشيدات متقابلة ورسائل غير معلنة
تشهد منطقتا دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي تصعيداً عسكرياً لافتا، يتمثل في تحشيدات متقابلة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من جهة، والجيش السوري من جهة أخرى.
ورغم أن الاشتباك لم يتحول إلى مواجهة مفتوحة حتى الآن، إلا أن طبيعة التعزيزات وحجمها، إضافة إلى الخطاب السياسي المتبادل، تشير إلى أن ما يجري يتجاوز كونه إجراء احترازياً عابراً، ويدخل في إطار صراع إرادات على الجغرافيا ووظائفها الاستراتيجية.
هذه التحركات تأتي في لحظة سياسية حساسة، حيث لم تُحسم بعد طبيعة العلاقة بين دمشق وقسد، ولا شكل الترتيبات النهائية شرق الفرات وغربه. لذلك، تبدو دير حافر ومسكنة اليوم ساحة اختبار مبكر لحدود القوة، وقواعد الاشتباك، وهوامش التفاوض.
ماذا تمثل دير حافر ومسكنة لقسد؟
بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، لا تُعد دير حافر ومسكنة مجرد بلدتين متاخمتين لمناطق نفوذها، بل تمثلان عقدة جغرافية بالغة الحساسية في معادلة السيطرة شرق وغرب نهر الفرات.
أهميتهما الأولى تنبع من كونهما تقعان غرب نهر الفرات مباشرة، أي خارج المجال الحيوي التقليدي لقسد. أي وجود أو نفوذ لقسد في هذه المنطقة يمنحها إمكانية العبور السياسي أو العسكري نحو غرب النهر، ولو بشكل محدود أو مرحلي.
هذا العبور، حتى إن لم يتحول إلى سيطرة دائمة، يخلق واقعاً تفاوضياً جديداً، ويكسر الخط الأحمر الجغرافي الذي حاولت دمشق تثبيته.
إضافة إلى ماسبق تشكل المنطقتان نقطة ضغط غير مباشرة على مدينة حلب، القلب الاقتصادي والديمغرافي للشمال السوري، فاقتراب قسد من هذا العمق يمنحها ورقة إضافية في أي مساومة سياسية مستقبلية، سواء مع الحكومة السورية أو مع أطراف إقليمية ودولية معنية بالملف السوري.
كما توفر دير حافر ومسكنة عمق مناورة دفاعي لقسد في حال تعرضت مناطقها شرق الفرات لضغوط عسكرية أو سياسية، فالوجود غرب النهر، ولو على شكل تحشيد أو تموضع مؤقت، يوسع هامش الحركة ويمنع محاصرتها جغرافياً.
من هذا المنظور، يمكن فهم حساسية قسد تجاه أي محاولة لإغلاق هذه الجبهة، وحرصها على نفي التحشيدات أحيانًا، أو التقليل من شأنها أحيانًا أخرى، لتجنب إعطاء دمشق مبرراً لتصعيد واسع.
لماذا تعتبرهما الحكومة السورية خطاَ أحمراً؟
في المقابل، تنظر الحكومة السورية إلى دير حافر ومسكنة باعتبارهما خط الدفاع المتقدم عن غرب الفرات وعن مدينة حلب، وأي اختراق أو نفوذ لقسد في هذه المنطقة يُنظر إليه كتهديد مباشر للأمن الاستراتيجي، وليس مجرد إشكال محلي.
فدمشق تحرص على ترسيخ الفرات كخط فاصل واضح بين مناطق سيادتها ومناطق سيطرة قسد، فالسماح بتجاوزه، ولو تكتيكيًا، يفتح الباب أمام سابقة يصعب احتواؤها لاحقًا.
كما ترى الحكومة أن هذه المنطقة قد تتحول إلى منصة عمليات أو ضغط أمني، سواء عبر تحركات عسكرية، أو استخدام وسائل قتالية حديثة، ما يضع حلب ومحيطها في دائرة الاستهداف المحتمل.
إضافة إلى ذلك يحمل الموقف السوري بعداً سيادياً واضحاً فأي وجود مسلح غير خاضع لسلطة الدولة غرب الفرات يُعد انتقاصاً مباشراً من مفهوم الدولة المركزية الذي تحاول دمشق إعادة فرضه بعد سنوات من التفكك.
من هنا، جاءت التعزيزات العسكرية، وإعلان المنطقة عسكرية مغلقة، كرسالة مزدوجة، ردع ميداني لقسد، وإشارة سياسية بأن غرب الفرات ليس مساحة تفاوض مفتوحة.
صراع جغرافيا أم بروفة تسوية؟
ما يجري في دير حافر ومسكنة ليس معركة عسكرية تقليدية، بل صراع على وظيفة المكان، هل يبقى غرب الفرات مجالًا سياديًا مغلقًا بيد الدولة، أم يتحول إلى مساحة رمادية قابلة لإعادة التشكيل؟.
التحشيدات المتقابلة تعكس هذا السؤال أكثر مما تعكس نية فورية للاشتباك.
ولكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الجغرافيا هنا ليست صامتة، بل تنطق بلغة السياسة الثقيلة، حيث كل كيلومتر هو ورقة، وكل تموضع رسالة، وكل تحرك مقدمة لاحتمال أكبر لم يُحسم بعد.
ميداني
على ضفتي الفرات.. تحشيدات دير حافر ومسكنة ومعركة الجغرافيا الصامتة
37

مقالات ذات صلة

من بوابة المدرسة إلى جبهات القتال.. أمارة خليل وشهادة اتهام جديدة ضد قسد في ملف تجنيد الأطفال
في سوريا، لا تبدأ المأساة دائماً تحت القصف، بل أحياناً أمام بوابة مدرسة، هناك، حيث يُفترض أن تكون الطفولة في أمان، بدأت قصة الطفلة أمارة خليل
1370

القبض عل متورطين بسرقة قطع سلاح أثرية من المتحف الوطني بدمشق
ألقى فرع المباحث الجنائية في محافظة دمشق، القبض على شخصين متورطين في سرقة قطع سلاح أثرية من المتحف الوطني بدمشق
333

استمرار العمليات الأمنية في الشيخ مقصود والأشرفية بحلب وسط تبادل تصريحات رسمية
لاتزال أعمال التمشيط مستمرة في حي الشيخ مقصود في حلب، وسط تصريحات من وزارة الدفاع السورية بقرب انتهاء العمليات العسكرية
285

تطور ميداني وتحركات دولية متسارعة في حلب.. الشيخ مقصود بين تداخل المشهدين العسكري والسياسي
بينما تشهد مدينة حلب تطورا ميدانيا لافتا في حي الشيخ مقصود، تتقاطع العمليات العسكرية مع ضغوط سياسية دولية متزايدة
389

هل يكون البرزاني اللاعب الأهم في إسقاط مشروع قسد.. وإعادة توحيد الصف العربي الكردي في سوريا؟
الخلافات العميقة بين التيارات الكردية الثلاثة (البرزاني - الطالباني- الأوجلاني) متواصلة منذ عقود، وتبلورت بعد سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين وتشكل إقليم كردستان العراق ككيان شبه مستقل تحكمه قوة كردية هي تيار الرئيس مسعود البرزاني.
989
