الحادثة ليست نهاية القصة بل بدايتها فقط، بعد إسقاط مادورو، تلوح حرب العصابات في الأفق، فهل تغرق واشنطن في المستنقع الفنزويلي الذي صنعته بيديها؟
لم يكن إخراج الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من السلطة ونقله إلى نيويورك سوى الفصل الأول في أزمة مرشحة للتصعيد
فالعملية العسكرية الأميركية، رغم نجاحها التكتيكي السريع، فتحت باباً واسعاً لتعقيدات سياسية وأمنية قد تجعل فنزويلا مسرحاً لصراع طويل الأمد، يعيد إلى الأذهان تجارب تدخل أميركية انتهت بكلفة أعلى بكثير من حسابات البداية.
واشنطن تعاملت مع العملية بوصفها ضربة حاسمة ضد نظام تصفه بالإجرامي، وسارعت إلى استدعاء المقارنة مع اعتقال مانويل نورييغا في بنما عام 1990
غير أن هذه المقارنة تبدو مضللة.
فبنما كانت دولة صغيرة، ذات مؤسسات محدودة ونفوذ عسكري مركزي، بينما فنزويلا دولة أكبر وأكثر تعقيداً، تمتلك شبكة واسعة من الفاعلين المسلحين، واقتصاداً منهكاً، وانقسامات سياسية واجتماعية عميقة.
التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب مادورو، بل في بقاء النظام من دونه الجنرالات، أجهزة الاستخبارات، الميليشيات الحزبية، والعصابات المرتبطة بتجارة المخدرات لم تُسقط مع سقوط رأس السلطة هؤلاء يشكلون بنية موازية للدولة، قادرة على تعطيل أي انتقال سياسي لا يضمن مصالحها أو وجودها.
من هنا، يصبح احتمال الانزلاق إلى العنف المنظم أو حرب العصابات أكثر واقعية من سيناريو الانتقال السلس.
الولايات المتحدة، التي أعلنت استعدادها لإدارة البلاد مؤقتاً، تجد نفسها أمام معضلة مزدوجة: كيف تفرض الاستقرار من دون احتلال طويل الأمد، وكيف تدير بلداً منقسماً من دون شرعية دولية أو توافق داخلي واضح، فالمعارضة، رغم الدعم الغربي، لا تمثل كتلة متجانسة، وزعاماتها، مثل ماريا كورينا ماتشادو، لا تحظى بإجماع داخلي كافٍ، بينما يواجه أي بديل من داخل النظام أزمة ثقة شعبية عميقة.
المشهد الأمني يزيد الصورة قتامة، فوجود جماعات مسلحة محلية، إلى جانب تنظيمات عابرة للحدود، يخلق بيئة مثالية لحرب غير متكافئة،
ومع أي فراغ في السلطة، قد تتحول مناطق واسعة إلى ساحات نفوذ متنازع عليها، ما يهدد ليس فقط وحدة الدولة، بل أيضاً استقرار أسواق الطاقة ويغذي موجات هجرة جديدة في القارة.
تطرح واشنطن ثلاثة مسارات محتملة: الأول، بناء تحالفات مع بقايا النظام لإدارة انتقال مضبوط، وهو خيار محفوف بالمخاطر لأنه يعيد إنتاج المنظومة نفسها بواجهة جديدة، والثاني، وهو الأفضل نظرياً، يتمثل في انشقاق النخبة الحاكمة وقبولها بتسوية تفتح الطريق أمام انتقال سياسي وانتخابات، مقابل ضمانات قانونية، أما الثالث، والأخطر، فهو رفض هذه النخبة التفاوض، ما يقود إلى تفكك الدولة ودخولها في دوامة عنف طويل الأمد.
تجربة الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق وليبيا تلقي بظلالها الثقيلة على هذا المشهد، فالتاريخ القريب يثبت أن إسقاط الأنظمة بالقوة لا يعني بالضرورة بناء الدولة، وأن الفراغ الناتج غالباً ما تملؤه الفوضى لا الديمقراطية.
وفي هذا السياق، يخشى كثيرون أن تكون فنزويلا بداية مرحلة جديدة من التدخل الأميركي المباشر في أميركا اللاتينية، بما يعيد إحياء مخاوف "الإمبريالية الحديثة" ويضعف صورة واشنطن الدولية.
الأخطر أن هذا التدخل، إذا فشل، قد يمنح خصوم الولايات المتحدة، مثل الصين وروسيا، ذريعة سياسية وأخلاقية لتوسيع نفوذهم الإقليمي، ويقوض النظام الدولي الذي تدعي واشنطن الدفاع عنه،. فغياب الشرعية الدولية، وعدم وضوح الأفق السياسي، يجعلان من فنزويلا اختباراً حقيقياً لقدرة الولايات المتحدة على تحويل القوة العسكرية إلى استقرار مستدام.
في المحصلة، قد يكون إسقاط مادورو إنجازاً سريعاً، لكنه لا يضمن نهاية الأزمة. السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس كيف سقط النظام، بل كيف ستخرج واشنطن من فنزويلا. فإما أن تنجح في إدارة انتقال معقد وطويل النفس، أو تجد نفسها غارقة في مستنقع فنزويلي صنعته بيديها، حيث تكون حرب العصابات هي العنوان الأبرز لمرحلة ما بعد “الانتصار”.
سياسي
فنزويلا بعد مادورو.. من ضربة خاطفة إلى مستنقع مفتوح
25

مقالات ذات صلة

بوساطة أمريكية.. جولة جديدة من المفاوضات بين سوريا وإسرائيل في باريس
ذكر موقع أكسيوس الأمريكي، الأحد، أن مسؤولين رفيعي المستوى من إسرائيل وسوريا سيجتمعون الاثنين في باريس، بوساطة الولايات المتحدة، من أجل استئناف المفاوضات بشأن اتفاق أمني جديد.
9

قسد تجري مباحثات مع دمشق حول الاندماج العسكري وتؤكد على اللامركزية كخط أحمر
وفد قسد يلتقي المسؤولين السوريين في دمشق وسط تأكيدات على استحالة الخروج من شمال وشرق سوريا وضرورة احترام اللامركزية
39

«وهمٌ زائف» يشعل سجالاً عابراً للحدود.. ماذا أراد ماسك قوله لطهران؟
لم تكن كلمتان بالفارسية مجرد رد ساخر، بل رسالة سياسية في لحظة إقليمية حساسة.. فهل تحولت منصة «إكس» إلى ساحة مواجهة
24

فنزويلا على صفيحٍ ساخن.. محاكمة مادورو تقترب وسط فراغٍ سياسي وانقسام داخلي
تطوراتٌ متسارعةٍ أعقبت الضربات الجوية الأميركية واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو
45

مباحثات سورية نمساوية حول مواصلة عمليات ترحيل السوريين
بحث وزير الداخلية النمساوي غيرهارد كارنر، في اتصال هاتفي مع نظيره السوري أنس خطاب، تعزيز آليات التعاون الأمني بين البلدين وزيادة وتيرة عمليات ترحيل السوريين المدانين إلى بلادهم.
70
