عندما كنا صغارا، كنا معجبين بالمسلسل التلفزيوني الكوميدي الشهير ''صح النوم''، وكان أكثر ما يشد المشاهد في المسلسل هو العمل المتقن للفنان الكبير نهاد قلعي عبر شخصية حسني البورظان، عندما كان يطلق عبارته الشهيرة ''إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا علينا أن نعرف ماذا في البرازيل، كان الجميع يضحك، دون أن يجد رابط بين البرازيل وإيطاليا، لكن معناها كان عميقا ودلالاته أصبحت تتضح مع التطورات والتغيرات المتسارعة في العالم.
وتحل، اليوم السبت، الذكرى الـ33 لوفاة الفنان السوري الكبير نهاد قلعي، الشهير بشخصية حسني البورظان الذي رحل العام 1993، تاركًا إرثًا فنيًا ما زالت أعماله تحظى بمتابعة أجيال متعاقبة.
بدأت حكاية "حسني البورظان" بموقف غير متوقع، عندما نسي قلعي حواره خلال مشاركته في برنامج منوعات على التلفزيون السوري، فارتجل الاسم الذي أصبح، لاحقًا، أشهر من اسمه الحقيقي.
وتحولت الشخصية إلى علامة بارزة في الكوميديا العربية، خاصة مع الثنائية التي جمعته بالفنان دريد لحام، صاحب شخصية "غوار الطوشة".
الرجل المثقف والطيب
وجسّد قلعي شخصية الرجل المثقف والطيب الذي يقع ضحية لمقالب غوار وحيله، في أعمال شهيرة، بينها: "صح النوم"، و"حمام الهنا"، ومسرحية "غربة".
ورغم النجاح الكبير الذي حققه، شهدت حياة قلعي تحولًا مأساويًا أواخر سبعينيات القرن الماضي.
وتروي روايات متداولة أن خلافًا نشب بينه وبين أحد الأشخاص داخل مقهى في دمشق القديمة، بعدما ناداه باسم "حسني البورظان" بطريقة ساخرة، ليتطور الموقف إلى اعتداء جسدي.
وبحسب تلك الروايات، تعرَّض الفنان لضربة بكرسي على رأسه، تسببت بإصابة خطيرة أثرت في قدرته على الحركة، وأدخلته في معاناة صحية طويلة.
ولم تُحسم جميع تفاصيل الواقعة في رواية موثقة واحدة، إلا أن الحادثة ارتبطت في سيرته بتراجع نشاطه الفني.
الكتابة للأطفال
واصل قلعي، رغم ظروفه الصحية، الكتابة للأطفال قبل أن يبتعد تدريجيًا عن العمل الفني.
ورحل العام 1993 عن عمر ناهز 65 عامًا، بعدما ترك بصمته في المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون، وأسهم في تأسيس الحركة المسرحية السورية، وتولّى إدارة المسرح القومي.
وبقيت شخصية "حسني البورظان" حاضرة في ذاكرة الجمهور، وشاهدة على موهبة فنان صنع الضحكة، بينما حملت سنواته الأخيرة كثيرًا من الألم.
نهاد قلعي.. أحمد نهاد
ولد الفنان نهاد قلعي في حي ساروجا بدمشق، في السابع عشر من أكتوبر عام 1928، واسمه الحقيقي أحمد نهاد قلعي الخربوطلي، لكنه اعتمد اسم نهاد قلعي في أعماله الفنية. والده محمد رفقي، ووالدته بدرية العطري. ونتيجة لقلة المصادر حول حياة الفنان في بداياتها، فقد سُجل العديد من الأخطاء في توثيق معلومات مولده على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام، التي نسبت مواليده إلى مدينة زحلة في لبنان لأب سوري. ومن المعروف عنه لاحقاً أنه قضى وقتاً طويلاً، متنقلاً بين لبنان وسورية؛ يقدم باكورة أعماله، ويسجل ويصور للشاشة، ويعتلي خشبة المسرح بحب وثبات.
صانع الحب والضحك
صانع الحب والضحكة، الإنسان الذي كرّس حياته للفن، وأعطى المسرح روحه، عمل واجتهد متجاهلاً صعوبات المرحلة التي ولد فيها، فابتكر شخصيات تحركت على المسرح كما تحركت في قلوبنا وفي وجدان كل إنسان. عرفناه من خلال شخصية حسني البورظان بسيطاً لطيفاً مستقيماً. امتلأت حياته بالمقالب الطريفة، المضحك منها والمؤلم. على الخشبة والشاشة، لم تأت الرياح بما تشتهي سفنه.
وفي الكواليس كان الفنان المخرج والممثل نهاد قلعي ينظر إلى تلك الشخصية كمرآة حقيقية له. أضحك الملايين في البلدان العربية بوجبات كوميدية ساخرة وهادفة، مقدماً مضمون ما يكتب من نصوص على حساب شخصيات العمل، فلا بطولة في أعماله إلا للفكرة، معتبراً العطاء واجباً لا استثناء.
قلعي صنع الكوميديا من تفاصيل المجتمع
كان قلعي كاتباً وصاحب مشروعٍ فنيَّ أسهم في ابتكار عدد من الشخصيات التي أصبحت جزءاً من الذاكرة السورية.
وقدم مع دريد لحام أعمالاً مثل "حمام الهنا" و"مقالب غوار" و"صح النوم"، فيما امتدَّ نشاطه إلى المسرح والسينما والكتابة.
وحملت أعمال تلك المرحلة قدراً من النقد الاجتماعي والسياسي، التي تبنّت حياة الناس في الشارع، وركّزت على أهم القضايا بأسلوبٍ كوميدي لا يكاد يخلو من الحقيقة التي لم يتجرّأ كثيرون على تصويرها.






