تحل اليوم 23 أكتوبر ذكرى ميلاد الفنان السوري الليبي الأصل ياسين بقوش الذي وفى لدمشق بما عاهدها عليه، بعد أن قطع على نفسه وعدا أن لا يغادر سوريا إلا إلى الموت.
بعدما شبّ ياسين بقوش نمت ميوله الفنية، وراح يحتاج إلى فضاء يعبر فيه عن ذاته ومكنوناته، فاندفع باحثا عن فرصة يثبت فيه موهبة يقدمها ويحكي فيها هموما يومية، فجاءت هذه الفرصة على يدي عبد اللطيف فتحي (أبو كلبشة) في المسرح الحر بعد تأسيسه عام 1956.
"متعب أفندي".. صوت أجش في الإذاعة والمسرح
في عام 1958 استغل ياسين بقوش صوته الأجش الذي يشد السامع بتلوينات متعددة عبر الإذاعة بتقديم مسلسل "متعب أفندي" من تأليف القصّاص الشعبي حكمت محسن وإخراج تيسير السعدي، معتمدا عليه وعلى الفواصل التي يتركها بين العبارات بأنفاس توحي للسامع بأن شيئا ما سيحدث، فيضفي ذلك تشويقا سماعيا، فأعطاه هذا الصوت بصمة سماعية يميزها المستمع من تنهيداتها وشهيقها وزفيرها.
مسرح العرائس
وعندما تأسس مسرح العرائس عام 1960 واستلم إدارته عبد اللطيف فتحي، انتقل معه بقوش فعملا معا لتقديم عروض مسرحية للأطفال لاقت رواجا كبيرا، ورسخت تقاليد العمل المسرحي الموجه للأطفال، كما تدرب فيه على إخراج الدراما وتحليل الشخصيات على يد خبراء أوروبيين.
وفي العام نفسه (1960) تأسس المسرح القومي، وكان ياسين بقوش من الممثلين الذين توجهوا إليه لتقديم عروض مسرحية، أمست من أهم الأعمال التي قدمت في تاريخ المسرح السوري، فقد عمل في المسرحية الشهيرة "سهرة مع أبي خليل القباني" للكاتب سعد الله ونوس وإخراج أسعد فضة.
كما قدم بعدها مع الفنان الراحل عمر حجو بعض التمثيليات والإسكتشات في برامج الأطفال وبرامج التلفزيون الأسبوعية، معتمدا على خبرته التي اكتسبها من مسرح العرائس والمسرح القومي والمسرح الجوال الذي طاف مدنا سورية عدة.
"مسرح الشوك".. تمهيد إلى عالم الدراما التلفزيونية
في أواخر الستينيات أنشأ الفنان الراحل عمر حجو "مسرح الشوك" الذي جمع فيه ثلة من أهم الممثلين في تاريخ المسرح السوري وقدموا فيه عروضا عديدة كان أولها "مرايا" وثانيها "جيرك" وهما من إخراج دريد لحام، وثالثها "براويظ" من إخراج أسعد فضة، وعبر تقديم إسكتشات اجتماعية وسياسية ناقدة لاقت ترحيبا واسعا في مختلف الأوساط الشعبية والنقدية.
توقف "مسرح الشوك" عام 1974، فأسس بقوش شراكة فنية مع يوسف حرب وشكلا فرقة أطلقا عليها "التجمع النقابي"، الفرقة الدرامية التي قدمت مسرحيات كثيرة[3] تجاوز عددها الثلاثين، منها "الليلة عرسي" و"حبي ومستقبل غيري" و"زوجتي مليونيرة".
رابعة العدوية
بداياته المسرحية مهدت له الانتقال إلى الدراما التلفزيونية بعدما انتشر التلفزيون وصار له جمهور واسع ينتظر المسلسلات والتمثيليات التي يبثها، وقد كانت مشاركة ياسين الأولى في مسلسل "رابعة العدوية" (1961) ثم مسلسل "مساكين" (1969).
كما قدم مع المخرج الراحل شكيب غنام مسلسل "زقاق المايلة" (1972) الذي حقق نجاحا كبيرا، في زمن كانت فيه الريادة والشهرة في المسلسلات الدرامية لدريد لحام ونهاد قلعي الذي رسّخ الكاركتر الشهير "ياسينو" في الوعي العربي، فهو من كان يعد السيناريو ويؤسس الشخصيات في عمله مع دريد لحام.
شخصية "ياسينو"
بنى نهاد قلعي شخصية "ياسينو" على السذاجة والبساطة، وكثيرا ما كان يقنعه غوار الطوشة بالعمل معه في تدبير مقالبه، معتقدا أنه لا يفعل سوءا بذلك.
يقول بقوش عن هذا الدور: في البداية اعتذرتُ عن أداء دور ياسينو لانشغالي بمسرح الشوك، لكن الفنان نهاد قلعي تحدث معي وقال لي إن هذا العمل مثل مسرح الشوك، فقلت له: كيف ذلك؟ فقال: حسني البورظان يمثل الفكر العربي، غوار يمثل الفكر المتآمر على الفكر العربي، أبو عنتر يمثل عضلات الفكر المتآمر، ياسينو يمثل الشعب العربي الطيب الذي يصدق كل شيء، وفطوم هي الأرض العربية التي سيتم التزاحم عليها في المستقبل.
سرعان ما تنمّط ياسين بقوش في شخصية "ياسينو" في الأعمال التي أداها، بدءا بـ"صحّ النوم" (1972) و"ملح وسكر" (1973) و"وين الغلط" (1972)، مروراً بـ"لكل الناس" (1980) و"تلفزيون المرح" (1981) و"وادي المسك" (1982)، وصولاً إلى "عريس الهنا" (1984).
لم يستطع الخروج من الإطار التشكيلي لهذا الدور، ففيه عرف النجاح مع شريكيه، ولو أنه أقل منهما، لكنه صار مثالا للعامل البسيط في "أوتيل صح النوم"، الذي يسلي "أبو عنتر" نفسه به، ويجعله غوار الطوشة وسيلة لتحقيق مآربه، فقد عبر عن حالة الشعب العربي التي أرادها نهاد قلعي تعبيرا يشير إلى طيبته وبساطته.
ياسين بقوش والسينما
سار ياسين بقوش في العمل السينمائي إلى جانب أعماله الدرامية مع دريد ونهاد، فاشترك في أفلام عديدة يجسد الشخصية ذاتها بطيبتها وبساطتها، مُركزا تنميطه في إطارها في تلك الأفلام، مثل "غزلان" (1969) و"الثعلب" (1971) و"مقلب حب" و"شقة ومليون مفتاح" و"رحلة حب" (1972) و"عروس من دمشق" (1973) و"عنترة فارس الصحراء" و"غوار جيمس بوند" و"الغجرية العاشقة" و"النصابين الخمسة" و"غراميات خاصة" (1974).
وفي العام الذي يليه (1975) شارك في "المزيفون" و"الاستعراض الكبير" و"صح النوم" و"العندليب"، حتى قدم في عام 1980 "حارة العناتر" و"تفضلوا ممنوع الدخول" و"أمطار صيفية" (1984).
ياسينو الوفي
انقطع دريد لحام عن العمل التلفزيوني فترة طويلة، لكنه قرر العودة إلى شخصيته المحببة "غوار الطوشة" في مسلسل "عودة غوار: الأصدقاء" (1998) متعاونا مع "أبو عنتر" و"ياسينو" لإحياء أمجادهم معا بعد رحيل شريكهم نهاد قلعي.
"هل تريد للناس أن يبصقوا عليّ في الشارع"، بهذه العبارة رفض ياسين بقوش المشاركة في هذا العمل كون الدور المقدم إليه يقوم على خيانة صديقه "غوار" والتسبب في إدخاله السجن، فهو لم يرضَ أن يجسد هذه الشخصية بعد سنوات من تجسيده "ياسينو" الطيب القريب من الناس، وبعد رفضه العمل في مسلسل "عودة غوار: الأصدقاء" تضاءلت الفرص أمامه في الدراما، إلى أن عاد للتمثيل الدرامي في مسلسلي "البطرني" و"تلاميذ آخر زمن" (2001).
ياسين والحاخام
وفي عام 2003 استطاع الخروج أخيرا من قالب الشخصية التي أمسكت به عشرات السنين عندما جسد دور حاخام يهودي في المسلسل التاريخي "سيف بن ذي يزن"، وشخصية تاريخية في "بهلول أعقل المجانين" الجزء الثاني (2008)، وكان آخر مسلسل له "صايعين ضايعين" (2011).
وفي هذه الفترة عاد إلى السينما في "حارة التنابر" (2000)، "الرجل الضاحك" (2002)، إلى أن جاء المخرج محمد عبد العزيز وانتشله سينمائيا من إطار "ياسينو" في فيلم "نصف ميليغرام نيكوتين" (2009) عندما قدمه بدور عارض سينما، ومرة أخرى جعله مختارا لحي ركن الدين الدمشقي في فيلم "دمشق مع حبي" 2011.
لن أغاد دمشق
ويقول متحدثا عن اندماجه في المجتمع السوري وحبه له: لم أشعر يوما أني من ليبيا، فهذا البلد الأمين لم يعلمني سوى الخير والمحبة، هذا البلد عشت فيه كل حياتي، تربيت وكبرت وعملت وتزوجت وأنجبت في كنفه، ولن أغادره إلا إلى الموت، ولن أغدره ولو مت أنا وأطفالي من الجوع.
وفي يوم الرحيل أتت إحدى القذائف على سيارة عابرة في 24 فبراير/ شباط 2013، كان بداخلها رجل لم تتضح هويته على الفور فسقط ياسين جسدا هامدا ووفى بوعده في البقاء حتى النهاية في أحضان دمشق.






