فن

في ذكرى ميلاده.. فريد الأطرش.. الموسيقار الذي حمل عوده خارج الحدود فحمله إلى العالمية

15
في ذكرى ميلاده.. فريد الأطرش.. الموسيقار الذي حمل عوده خارج الحدود فحمله إلى العالمية عامر فؤاد عامر

تبدو سيرة فريد الأطرش أكبر من حكاية موسيقار ومطرب وممثّل عاش في القرن العشرين. وفي كلّ مرّة نستعيد اسمه لنكتب عنه، تتجلّى حالة الانبهار بعطائه وتتجدد، فالرجل الذي غادر الجنوب السوري صغيراً، واستقرّ في مصر، لم يكتفِ بأن يصبح واحداً من أبرز نجوم عصره، بل ترك وراءه تجربة موسيقيّة استطاعت عبور الحدود والزمن، وجعلت من العود صوتاً قادراً على الوصول إلى العالم بفرادةٍ خاصّةٍ.


ربّما يكون السؤال الأهمّ في ذكرى ميلاد هذا المبدع ليس: من هو فريد الأطرش؟ وإنما: كيف استطاع فريد أن يبقى حاضراً بعد عقود من رحيله، بينما غابت أسماء كثيرة من زمنه عن الذاكرة؟

ملك العود.. لقب لم يأتِ من فراغ

ارتبط اسم فريد الأطرش بالعود إلى درجة أن لقب "ملك العود" أصبح جزءاً من هويّته الفنّيّة. لكن هل تعلم بأنّ هذا اللقب لم يكن توصيف صحفي لعازفٍ موهوب؟!
يُذكر أنّ فريد كان من الذين أسهموا في تطوير آلة العود نفسها، بإضافة وترٍ سادسٍ إليها، حتّى ارتبط هذا الشكل من العود باسمه، وأصبح يُعرف باسم "عود فريد الأطرش". كما أن اللقب اكتسب اعترافاً لافتاً عندما شارك في مسابقةٍ للعزف على العود أقيمت في تركيا العام 1962، بمشاركة عازفين من الدول العربيّة وتركيا، ونال فيها المركز الأوّل.


وهنا تكمن إحدى أهمّ نقاط قوّة تجربة فريد؛ حيث لم يتعامل مع العود بوصفه آلة مرافقة لصوته، بل جعله شريكاً أساسيّاً في صناعة شخصيّته الموسيقيّة.
كان العود عنده لغة قائمة بذاتها. موسيقى شرقيّة لم تحتج إلى التنكر لأصلها؛ وربّما يكون الجانب الأكثر أهمّيّة في تجربة فريد الأطرش هو قدرته على تقديم الموسيقى الشرقيّة بروحها الخاصّة، من دون أن تكون محاولة إلى تقليد الآخر، كما فعل أهمّ زملائه.


فالموسيقى التي صنعها فريد حملت هويّة شرقيّة واضحة، ومع ذلك استطاعت الوصول إلى خارج البيئة العربيّة. وهذه المعادلة ليست سهلة؛ إذ إن الوصول إلى العالميّة غالباً ما يدفع الفنان إلى تعديل لغته الفنّيّة لتصبح أقرب إلى الذائقة السائدة عالميّاً. أمّا فريد فعل شيئاً مختلفاً. حيث احتفظ بملامح الموسيقى العربيّة، وبقي العود حاضراً في قلب تجربته، لكنّه استطاع تطويع هذه اللغة لتكون قابلةً للعبور. لذلك بقيت موسيقاه قابلةً للاستماع حتّى اليوم؛ لأنها لم تكن انعكاساً لمرحلة زمنيّة وكفى، بل امتلكت شخصيّة فنّيّة خاصّة.

من مصر إلى العالم

كان فريد الأطرش واحداً من أبناء البيئة الفنّيّة المصريّة الأكثر حضوراً وتأثيراً، على الرغم من جذوره السوريّة وانتمائه إلى عائلة الأطرش في السويداء.


وصل إلى مصر مع والدته علياء المنذر وشقيقه فؤاد وشقيقته أسمهان، بعد الظروف القاسية التي عاشتها الأسرة في الجنوب السوري، لتبدأ هناك رحلة طويلة من التعلّم والعمل والكفاح.

لكن اللافت أن مصر لم تكن بالنسبة إلى فريد محطّة مهنيّة فقط. لقد أصبحت المكان الذي احتضن مشروعه الفنّي، ومنها انطلق إلى مساحة عربيّة أوسع، ثمّ إلى العالم.


وتجلّى تقدير مصر لفريد بعد رحيله في استمرار الاحتفاء به؛ إذ تقام في دار الأوبرا المصريّة حفلات لإحياء ذكراه، وتحمل إحدى قاعاتها اسمه، كما ينتصب له تمثال في مدخل الدار إلى جانب تمثال محمد عبد الوهاب، في واحدة من العلامات التي تعكس موقعه في الذاكرة الموسيقيّة المصريّة.

وصل إلى الغرب من دون فقدان شرقه

نال فريد الأطرش عام 1975 "وسام الخلود" المرتبط بالموسيقى في فرنسا، وهو تكريم سبق أن مُنح لأسماء عالميّة مثل بيتهوفن، وموتسارت، وشوبرت. كما أدرجه تصنيف موسيقي ألماني ضمن قائمة أفضل مائة شخصيّة موسيقيّة في العالم، في المرتبة السادسة والعشرين.


وبعيداً عن قيمة الأرقام والتصنيفات، فإنّ الأهمّ هو الدلالة الثقافيّة لهذا الحضور. فريد لم يصل إلى الآخر لأنه تخلّى عن هويّته الموسيقيّة، وإنما لأنّ هذه الهويّة نفسها كانت قابلة للتواصل.

"موسيقار الأزمان".. السينما كمساحة للمشروع الموسيقي

لم يتوقف مشروع فريد عند الغناء والتلحين والعزف، فقد كان للسينما موقع أساسي في تجربته، فهو أوّل من قدّم الأوبريت الغنائي من خلال فيلم "انتصار الشباب" بعنوان "ليلة في الأندلس" العام 1941، كما ارتبطت بعض أفلامه بفكرة الوحدة العربيّة مثل أغنية "بساط الريح".


وهذا يعني أن فريد لم يكن يتعامل مع السينما باعتبارها وسيلةً للظهور وحسب، بل باعتبارها مساحة أخرى لتوسيع مشروعه الموسيقي.
وفي رصيد فريد الأطرش 31 فيلماً سينمائيّاً، وقد دخل منذ أوّل تجربه له بطلاً ونجماً سينمائيّاً وكذلك في كلّ الأفلام.


لقد جمع بين الصورة والصوت والاستعراض والأغنية، في زمنٍ كانت فيه السينما العربيّة نفسها تبحث عن أشكالها الجديدة.


ومن هنا يصبح لقب "موسيقار الأزمان" أكثر قابلية للنقاش؛ لأن تجربته لم تنتمِ إلى وسيط فنّي واحد، بل تحركت بين العود، والأغنية، والتلحين، والسينما، والأداء.

حاور الغرب موسيقيّاً

المفارقة الأجمل أن فريد الأطرش، الذي حافظ على خصوصيّة موسيقاه الشرقيّة، لم يكن منغلقاً على الموسيقى العربيّة.


تشير التوثيقات إلى تعاونه مع الموسيقار الفرنسي فرانك بورسيل، الذي وزّع له عدداً من الأغنيات، من بينها: "حبيب العمر"، و"موسيقى ليلى"، و"نجوم الليل"، و"يا زهرة في خيالي"، إضافةً إلى تعاون مع الموسيقار اليوناني أندريا رايدر في توزيع أغنية "إيّاك من حبّي".


وهذه التجارب تكشف جانباً مهمّاً من شخصيّة فريد الفنّيّة؛ الانفتاح على الآخر من دون الذوبان فيه. وهذه ربّما واحدة من أهمّ الدروس التي يمكن للموسيقى العربيّة استعادتها اليوم.

فريد الأطرش ... حين تنسى سوريا أحد أبنائها

هنالك مفارقة مؤلمة في حكاية فريد الأطرش؛ فالموسيقار الذي خرج من السويداء ليصبح أحد أبرز أعلام الموسيقى العربيّة، والذي ما زالت مصر تحتفي بإرثه وتخصص له مساحة في ذاكرتها الفنّيّة، ومكث اسمه مجدداً في الموسيقى العالميّة، يبدو وكأنه لا يحظى في بلده الأم بما يستحقه من حضور واهتمام. فأين فريد الأطرش في المشهد الموسيقي السوري؟ ولماذا لا نكاد نلمس احتفاءً يوازي حجم تجربته، سواء عبر استعادة أغنياته في الإذاعات والتلفزيونات السوريّة، أو تنظيم فعاليّات موسيقيّة تستعيد ألحانه، أو تقديم أعمال وثائقيّة تعرّف الأجيال الجديدة بمشروعه الفنّي؟ ولماذا يبدو اسمه، على الرغم من مكانته العربيّة والعالميّة، أقلّ حضوراً في الذاكرة الثقافيّة السوريّة مما يفترض أن يكون عليه؟


هل هو إهمال ثقافي مزمن، أم قصور في سياسات المؤسسات المعنيّة بحفظ التراث الموسيقي، أم أن ثمّة أسباباً أخرى جعلت هذا الإرث يتراجع إلى الهامش؟ لا نملك ما يكفي للجزم بأن تغييب فريد متعمّد، لكن غياب الدليل على التعمّد لا يعفي المؤسسات الثقافيّة والإعلاميّة من مسؤوليّة السؤال والمراجعة. فليس مطلوباً من سوريا احتكار فريد الأطرش أو استعادته من مصر، التي احتضنت موهبته وأسهمت في صناعة مجده، بل الاعتراف بنصيبها من حكايته، والتعامل مع إرثه باعتباره جزءاً أصيلاً من تاريخها الموسيقي.

لماذا يبقى فريد؟

لأنّ فريد الأطرش لم يكن صوتاً جميلاً فقط، ولا عازف عودٍ بارعٍ فقط، ولا مجرّد نجمٍ سينمائيٍ وكفى، بل كان مشروعاً موسيقيّاً كاملاً، لم يتمكن أحد حتّى اليوم من أن يحذو حذوه.
أسس لنفسه مدرسة في الغناء والتأليف الموسيقي، وتمكّن في زمنٍ كانت فيه الساحة المصريّة مكتظّة بكبار الملحنين والمطربين من انتزاع موقعٍ خاصٍّ، حتّى أنه انتُخب رئيساً لجمعيّة الملحنين والمؤلّفين في مصر لمدّة اثني عشر عاماً، وهو موقع سبق أن شغلته أم كلثوم.


وهذا هو الفارق بين الفنّان الذي ينجح في زمنه، والفنّان الذي يتحول إلى جزءٍ من تاريخ الفنّ. الفنّان الأوّل تصنعه المرحلة. أمّا الثاني، فيصبح هو نفسه جزءاً من المرحلة. وفريد الأطرش من هؤلاء الذين تجاوزوا زمنهم.


في ذكرى ميلاده، لا نحتاج إلى استعادة أغنياته فقط، ولا إلى تعداد أفلامه وألحانه، بل إلى إعادة قراءة مشروعه بوصفه واحداً من المشاريع التي أثبتت أن الموسيقى الشرقيّة قادرة على الوصول إلى العالم من دون أن تتخلّى عن جذورها.


مقالات ذات صلة

فيلم توثيقي يستعيد تاريخ قناة العاشق الأثرية في حماة السورية

فيلم توثيقي يستعيد تاريخ قناة العاشق الأثرية في حماة السورية

سلّط عرض سينمائي توثيقي بعنوان قناة العاشق، نظمته مديرية الثقافة في حماة مساء أمس الأحد بمناسبة اليوم العالمي لإحياء التراث اللامادي، الضوء على إحدى المنشآت المائية التاريخية في المنطقة، وذلك في إطار جهود الحفاظ على التراث، وتعزيز الحراك السينمائي
23
مسلسل حب أسود.. سر من الماضي يفرّق بين حبيبين

مسلسل حب أسود.. سر من الماضي يفرّق بين حبيبين

يضم مسلسل حب أسود، كوكبة من الممثلين منهم سامر إسماعيل، فاليري أبو شقرا، يامن حجلي، لين غرّة، ساشا دحدوح
48
بوسي شلبي.. ذكريات الجونة مع الراحل الكبير محمود عبد العزيز

بوسي شلبي.. ذكريات الجونة مع الراحل الكبير محمود عبد العزيز

بوفائها لزوحها الراحل الكبير محمود عبد العزيز، لفتت الإعلامية المصرية بوسي شلبي أنظار الحاضرين في فعاليات مهرجان الجونة ورواد مواقع التواصل الاجتماعي
63
شريف منير.. خفة ظل وتواضع على الأرض.. نظرات إلهام شاهين المندهشة

شريف منير.. خفة ظل وتواضع على الأرض.. نظرات إلهام شاهين المندهشة

أثار الفنان المصري شريف منير تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب خفة ظله وتواضعه حيث ظهر في مقطع فيديو يجلس على الأرض في ندوة الفنانة منى زكي
59
كندة علوش.. رقصة عفوية نشرت الابتسامة وممازحة للجمهور

كندة علوش.. رقصة عفوية نشرت الابتسامة وممازحة للجمهور

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو للفنانة كندة علوش خلال مشاركتها في فعاليات
51
سيرياون إعلان 7