فن

في ذكرى وفاته.. من"ملسون" إلى "مرايا".. توفيق العشا صوت ذاكرة الأيام الجميلة المنسي

12
في ذكرى وفاته.. من"ملسون" إلى "مرايا".. توفيق العشا صوت ذاكرة الأيام الجميلة المنسيعامر فؤاد عامر

كان صوت الفنّان السوري توفيق العشا واحداً من تلك الأصوات التي لا تحتاج إلى صورة كي نتعرّف إليها، من الأصوات التي استقرّت في الذاكرة العربيّة، لا بفضل كثرة ظهوره الإعلامي، بل بفضل قدرته على الوصول إلى جمهورٍ واسعٍ، وفي مقدّمته الأطفال. يكفي انطلاق نبرته الأولى حتّى تفتح باباً قديماً في الذاكرة، وتعيدنا إلى زمنٍ كنّا فيه أكثر استعداداً للدهشة.


تحضر، في التاسع عشر من تشرين الأوّل، ذكرى رحيل العشا بوصفها مناسبة لاستعادة فنّان لم ينل من الاعتراف بقدر ما يستحق، ولطرح سؤال يتجاوز سيرته الشخصيّة: كيف يستطيع ممثّل البقاء حاضراً في ذاكرة أجيال كاملة، فيما يغيب اسمه عن المشهد الفنّي طوال سنوات حياته الأخيرة؟


"ملسون" ... صوته بيتاً للطفولة


يصعب الحديث عن توفيق العشا من دون التوقّف عند شخصيّة "ملسون" في برنامج الأطفال الشهير "افتح يا سمسم". لكن اختزال تجربته في هذه الشخصيّة، على الرغم من أهمّيّتها، لا يكشف وحده عن القيمة الفنّيّة التي قدّمها.


كان العشا يمتلك خامة صوتيّة عميقة، تميل إلى الجهارة والصرامة، وهي خصائص يمكن دفعها بالممثّل إلى أدوار الهيبة أو التهديد. غير أنه استطاع تطويع هذه الخامة، ومنحها في شخصيّة "ملسون" دفئاً أبويّاً وألفة لا تتعارضان مع قوّتها الطبيعيّة.


يكفينا السيطرة على الإيقاع، وتوزيع النبرات، وتليين مخارج الحروف، والانتقال المدروس بين الحزم والمرح. بهذه الأدوات، لم يعد صوت العشا وسيلة لنطق الحوار وحسب، بل أصبح جزءاً من بناء الشخصيّة ومن علاقتها بالطفل.


لقد فهم العشا، من خلال أدائه، أن الطفل لا يتلقّى المعلومة بالطريقة نفسها التي يتلقاها بها البالغ، والصوت الذي يريد إقناعه عليه الاستحواذ على انتباهه من دون مصادرة حريّته في الاكتشاف.


فصحى لا تصنع المسافة مع الطفل


بدت اللغة العربيّة الفصحى لبعض الأطفال لغة المدرسة والامتحانات أكثر مما هي لغة اللعب والحياة، وقد أسهم "افتح يا سمسم" في تقديمها ضمن سياق يومي قريب من عالمهم.


وكان لصوت توفيق العشا دور مهمّ في هذه التجربة؛ إذ امتلك وضوحاً في النطق، وقدرة على تقديم الجمل بإيقاع مفهوم، من دون تصدير الفصحى إلى أداء متخشّب أو استعراض لغوي.


يمكن قراءة تجربة العشا ضمن أهمّيّة الأداء الصوتي في تشكيل الذائقة اللغويّة للطفل العربي. فكان له حضور آسر في عالم دوبلاج الكرتون مثل "حكايات عالمية"، و"الوميض الأزرق".


ولعل بقاء هذا الصوت في الذاكرة، بعد مرور عقود على عرض تلك الأعمال، يكشف عن حقيقة تتجاوز الحنين؛ فالأداء الجيّد لا ينتهي بانتهاء الحلقة، بل يستمر في المستمع الذي حمله معه إلى حياته اللاحقة.


ممثّل التفاصيل التي صنعت مجد الدراما السوريّة


امتلك توفيق العشا حضوراً خاصاً صنعته خامته الصوتيّة العميقة، وقدرته على توظيف ملامحه ونبراته في أداء شخصيّات تتراوح بين الصرامة والمكر والسخرية. فلم يكن ممثّلاً عابراً في تاريخ الدراما السوريّة. ارتبط اسمه بسلسلة "مرايا" منذ انطلاقتها العام 1982، واستمرّ في المشاركة بأجزائها حتّى "أحلى المرايا" العام 2005، ليكون أحد الوجوه المألوفة في المشروع الذي رصد تناقضات المجتمع السوري بسخرية ٍلاذعةٍ. وترك بصمة في "يوميات مدير عام" (1995)، إلى جانب مشاركاته في أعمال مثل: "حارة نسيها الزمن"، و"الدروب القصيرة" و"المحكوم"، و"حمام القيشاني"، و"الطير"، و"مزاد علني"، و"تغريبة بني هلال"، وصولاً إلى "بهلول أعقل المجانين" (2007). وتكمن أهمّيّة العشا في أنه لم يكن بحاجة إلى البطولة المطلقة كي يثبت حضوره؛ فقد امتلك قدرة على منح الشخصيّات الثانويّة ثقلاً يتجاوز مساحة ظهورها، مستفيداً من صوته المميّز وخبرته في ضبط الإيقاع، وتلوين الأداء.


من "بهلول أعقل المجانين" إلى الغياب


كان آخر عمل تلفزيوني شارك فيه العشا، بحسب المعلومات المتداولة عن مسيرته، مسلسل "بهلول أعقل المجانين" العام 2007. وبعد ذلك، ابتعد عن المشهد الفنّي سنوات طويلة، في غياب ارتبط، وفق ما نُشر عن سنواته الأخيرة، بشعوره بالإهمال وسوء المعاملة، إلى جانب ظروفه الصحيّة.


لا يمكن اختزال الغياب الطويل في سبب واحد من دون توثيق كافٍ، كما لا يصح تحميل جهة بعينها مسؤولية ما جرى من دون الاستناد إلى وقائع محددة. لكن غياب ممثل بهذا التاريخ يفتح باباً مشروعاً للنقاش حول الطريقة التي يتعامل بها الوسط الفني مع فنانيه حين تتراجع قدرتهم على العمل، أو تتغير شروط السوق، أو يصبح حضورهم أقلّ جاذبيّة لحسابات الإنتاج.


فهل تقاس قيمة الفنّان بما يستطيع تقديمه في اللحظة الراهنة فقط؟ وهل يصبح التاريخ الفنّي عبئاً قابلاً للتجاوز مع ظهور أسماء جديدة أو تغيّر الأذواق الإنتاجيّة؟


إن المشكلة لا تتعلق بالعشّا وحده، بل بثقافة مهنية تميل أحياناً إلى الاحتفاء بالنجاح في ذروته، ثم تترك صاحبه يواجه وحده ما يأتي بعده. وفي مثل هذه الحالات، لا يعود الاعتراف بالتاريخ كافياً، إذا لم يتحول إلى فرص عمل ورعاية مهنيّة واجتماعيّة تضمن للفنّان حياة أكثر استقراراً وكرامة.


لماذا بقي الصوت وغاب صاحبه؟


تتجاوز مفارقة توفيق العشّا حدود تجربته الشخصيّة. فالأجيال التي تعرّفت إليه من خلال "ملسون" كبرت، وأصبح بعض أفرادها آباء وأمّهات، لكن الشخصيّة ظلّت حاضرة في ذاكرتهم، بما تحمله من دفء وبساطة وارتباط بمرحلة تأسيسيّة من علاقتهم بالتلفزيون واللغة والطفولة.


في المقابل، غاب صاحب الصوت عن المشهد، حتّى إن طول انقطاع أخباره جعل بعض الجمهور يعتقد أنه رحل قبل وفاته الفعليّة!


إن الوفاء الحقيقي لفنان مثل العشا لا يقتصر على نشر صورته في ذكرى رحيله، أو تكرار مقاطع من أدائه، بل يبدأ بإعادة قراءة تجربته وتوثيقها، ووضعها في سياق تطور الأداء الصوتي والدراما الموجهة إلى الطفل، والاعتراف بأن الفن الذي يبقى في الذاكرة ليس أقل قيمة من الفن الذي يحتل واجهة الإنتاج.


رحل توفيق العشا، لكن صوته لم يرحل بالمعنى الكامل للكلمة. بقي في ذاكرة أطفال الأمس، وفي اللغة التي سمعوها منه، وفي ذلك الإحساس القديم بأن هناك صوتاً يستطيع أن يعلّم من دون أن يتعالى، وأن يوجّه من دون أن يخيف.


غير أن السؤال الأكثر إيلاماً يظلّ قائماً: كيف استطاع هذا الصوت أن يعبر الأجيال، فيما عجز الوسط الفنّي عن إبقاء صاحبه في دائرة الاهتمام؟


ربّما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر قسوة في سيرة توفيق العشا: لقد عرف الجمهور كيف يحتفظ بصوته، لكن الوسط الفنّي لم ينجح في الاحتفاظ بمكانته.


مقالات ذات صلة

في ذكرى ميلاده.. فريد الأطرش.. الموسيقار الذي حمل عوده خارج الحدود فحمله إلى العالمية

في ذكرى ميلاده.. فريد الأطرش.. الموسيقار الذي حمل عوده خارج الحدود فحمله إلى العالمية

تبدو سيرة فريد الأطرش أكبر من حكاية موسيقار ومطرب وممثّل عاش في القرن العشرين. وفي كلّ مرّة نستعيد اسمه لنكتب عنه، تتجلّى حالة الانبهار بعطائه وتتجدد، فالرجل الذي غادر الجنوب السوري صغيراً، واستقرّ في مصر، لم يكتفِ بأن يصبح واحداً من أبرز نجوم عصره، بل ترك وراءه تجربة موسيقيّة استطاعت عبور الحدود والزمن، وجعلت من العود صوتاً قادراً على الوصول إلى العالم بفرادةٍ خاصّةٍ.
36
فيلم توثيقي يستعيد تاريخ قناة العاشق الأثرية في حماة السورية

فيلم توثيقي يستعيد تاريخ قناة العاشق الأثرية في حماة السورية

سلّط عرض سينمائي توثيقي بعنوان قناة العاشق، نظمته مديرية الثقافة في حماة مساء أمس الأحد بمناسبة اليوم العالمي لإحياء التراث اللامادي، الضوء على إحدى المنشآت المائية التاريخية في المنطقة، وذلك في إطار جهود الحفاظ على التراث، وتعزيز الحراك السينمائي
46
مسلسل حب أسود.. سر من الماضي يفرّق بين حبيبين

مسلسل حب أسود.. سر من الماضي يفرّق بين حبيبين

يضم مسلسل حب أسود، كوكبة من الممثلين منهم سامر إسماعيل، فاليري أبو شقرا، يامن حجلي، لين غرّة، ساشا دحدوح
60
بوسي شلبي.. ذكريات الجونة مع الراحل الكبير محمود عبد العزيز

بوسي شلبي.. ذكريات الجونة مع الراحل الكبير محمود عبد العزيز

بوفائها لزوحها الراحل الكبير محمود عبد العزيز، لفتت الإعلامية المصرية بوسي شلبي أنظار الحاضرين في فعاليات مهرجان الجونة ورواد مواقع التواصل الاجتماعي
74
شريف منير.. خفة ظل وتواضع على الأرض.. نظرات إلهام شاهين المندهشة

شريف منير.. خفة ظل وتواضع على الأرض.. نظرات إلهام شاهين المندهشة

أثار الفنان المصري شريف منير تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب خفة ظله وتواضعه حيث ظهر في مقطع فيديو يجلس على الأرض في ندوة الفنانة منى زكي
68
سيرياون إعلان 7