في تطور مثير للجدل على الساحة السورية، أصبحت بلدة دير حافر في ريف حلب الشرقي محور توتر متصاعد بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وسط دخول القوات الأميركية على خط التوتر.
هذا المشهد أثار أسئلة جوهرية حول دواعي الوجود الأميركي في المنطقة، ومدى رغبة الولايات المتحدة بتهدئة التصعيد بين الطرفين، في وقت تتنامى فيه احتمالات مواجهة أوسع في شمال سوريا.
احتدام التوتر دير حافر
في الأيام الأخيرة، أعلنت وزارة الدفاع السورية منطقة دير حافر والمناطق المحيطة بها “منطقة عسكرية مغلقة”، وسط حشود وتعزيزات للجيش السوري، بدعوى وجود تحركات لقوات قسد ومجموعات مسلحة أخرى في المنطقة. حكومة دمشق اتهمت قسد بعرقلة خروج المدنيين عبر الممرات الإنسانية، وهو ما تنفيه الأخيرة، بينما تستمر الاشتباكات المتفرقة بين الطرفين، وقد أبلغت دمشق عن انشقاق عدد من عناصر قسد على جبهة دير حافر، بينما يستمر الجيش السوري في تعزيز خطوطه استعداداً لأي تحرك محتمل.
هذه التوترات تأتي في سياق تعثر مفاوضات دمج قسد في مؤسسات الدولة السورية، رغم اتفاق أعلن في مارس 2025، ما أفرز أزمة ثقة بين الطرفين وتزايد الضغوط الميدانية على الأرض.
القوات الأميركية في «منطقة عسكرية مغلقة»: ماذا يحدث؟
في خطوة غير متوقعة، شوهد رتل من المدرعات الأميركية يتقدم نحو دير حافر، في منطقة أعلنها الجيش السوري “منطقة عسكرية مغلقة” بموجب أوامر عسكرية واضحة من دمشق، وبحسب تقارير متعددة، وصل وفد أميركي إلى دير حافر في نفس التوقيت، وسط توتر بين الطرفين، في ما وصفه محللون بأنه تحرك أميركي استباقي لخفض التصعيد وليس تدخلًا قتاليًا مباشرًا.
وبحسب محللين، لا يهدف الوجود الأميركي إلى مواجهة الجيش السوري، لكنه يحمل دلالات سياسية وعسكرية بقراءة واشنطن للمشهد الجيوسياسي الأوسع، خصوصاً في ضوء استمرار التوترات بين دمشق والقوات الكردية. حيث يتعلق هذا الوجود الأميركي بمحاولة تفادي مواجهة عسكرية أوسع قد ترتفع تكلفة اندلاعها على الجميع في شمال سوريا.
واشنطن: جهود دبلوماسية أكثر من تدخل عسكري
الولايات المتحدة لم تُبدِ معارضة صريحة لتحركات الجيش السوري في المنطقة، لكنها دعت إلى تجنب التصعيد والعودة إلى الحوار السياسي كآلية لحل النزاع بين دمشق وقسد.
المبعوث الأميركي إلى سوريا أكد أن واشنطن تسعى إلى إعادة إطلاق محادثات الدمج بين الطرفين، في محاولة لتفادي انزلاق النزاع إلى مواجهة واسعة على الأرض. كما التقى وفد أميركي بقيادات كردية في محاولة لتسهيل خفض التوتر وعودة الأطراف إلى طاولة التفاوض، في مؤشر على أن واشنطن ما زالت تُفضل الحلول الدبلوماسية على الحل العسكري.
هل تنجح واشنطن في وقف التصعيد؟
الإجابة ليست حاسمة في هذه المرحلة، فبينما يبدو أن الولايات المتحدة تعمل على تخفيف التوتر عبر الحضور العسكري الاستعراضي والضغوط السياسية، فإن الحقائق الميدانية على الأرض تعكس استمرار احتدام التوترات بين الجيش السوري وقسد، ففي ظل فشل المفاوضات حتى الآن، فإن احتمال تصعيد محدود بين الطرفين يبقى قائمًا، خاصة مع تعطل تطبيق اتفاقيات سابقة.
ومع ذلك، فإن وجود الولايات المتحدة في دير حافر، حتى وإن كان محدودًا، يُعد إشارة قوية على رغبة واشنطن في عدم انهيار الوضع الأمني بشكل كامل، ومحاولة خلق مساحة للتفاوض السياسي. لكن رغبة واشنطن بمنع صدام عسكري مباشر بين الجيش السوري وقسد تبقى موضع شك، خصوصًا إذا اختارت دمشق التصعيد لفرض شروطها الميدانية والسياسية.
بين الاستقرار والتهديد الوضع في دير حافر هو مرآة لتشابك المصالح الدولية والمحلية في سوريا. بين دمشق التي تؤكد سيادتها وتضغط لإعادة سيطرتها على مناطق كانت خارجها، وبين قسد التي تحتفظ بقوة ميدانية واستقلالية نسبية، فيما تبقى واشنطن قوة ثالثة تحاول الحفاظ على توازن هش. ما يحدث ليس مجرد حركة دبابات أو وحدات عسكرية، بل اختبار جيوسياسي لمدى قدرة القوى الدولية على احتواء النزاع السوري دون انفجار حرب إقليمية أوسع.






