من مساحة لا تتجاوز غرفة صغيرة إلى مقهى الروضة في العاصمة السورية.. تجربة مسرحية تبحث عن الحرية وتكسر المسافة التقليدية بين الممثل والجمهور.
في مقهى الروضة بالعاصمة دمشق، تحوّل المكان إلى مساحة مسرحية مختلفة، مع تقديم الأخوين محمد وأحمد ملص عرضهما "كل عار وأنتم بخير" برعاية ملتقى آراميا الإبداعي، ضمن مشروع يسعى إلى إيجاد فضاءات بديلة للعمل المسرحي، بعيداً عن القيود الإدارية والبيروقراطية التي قد تعترض تنفيذ الأنشطة الفنية على حد تعبير بطلي العمل.
وتأتي التجربة في سياق عودة الأخوين ملص إلى مسرح الغرفة الذي عملا عليه قبل مغادرتهما سورية إلى فرنسا عام 2011، قبل أن يستأنفا تجربتهما بعد العودة مستفيدين من الخبرات الفنية التي راكماها خلال ثلاثة عشر عاماً من الإقامة والعمل في فرنسا وأوروبا.
من الغرفة إلى فضاءات المقاهي
يقول محمد ملص لـSyria One إن فرقة الأخوين ملص عملت قبل مغادرتها سورية على تجربة مسرح الغرفة خلال الفترة بين عامي 2009 و2011، مضيفاً: "بعد عودتنا، بدأنا العمل مجدداً على مسرح الغرفة في منزلنا، ثم اتجهنا إلى تنويع أماكن العرض، فانتقلنا إلى المقاهي والمراسم والحدائق".
ويوضح أن مسرح الغرفة يختلف عن الأشكال المسرحية التقليدية التي تستقبل مئات المشاهدين، إذ لا يتجاوز عدد الحضور فيه عادة 20 إلى 25 شخصاً، ما يخلق علاقة مختلفة بين الممثل والمتلقي.
ويضيف أن المسافة بين الممثل والجمهور قد لا تتجاوز نصف متر الأمر الذي ينعكس على طاقة الممثل وأدائه، ويضعه في مواجهة مباشرة مع المتفرج، بكل ما تحمله هذه المسافة القصيرة من خصوصية وحساسية فنية.
ويشدد ملص على أن هذه التجربة لا يصنفها ضمن المسرح التفاعلي بل يراها امتداداً لمفهوم مسرح الغرفة الذي يقوم على الحميمية والتركيز والتواصل المباشر مع الجمهور.
كل عار وأنتم بخير .. زمن مفتوح على التأويل
وعن العرض، يوضح محمد ملص أن نص "كل عار وأنتم بخير" من تأليف الأخوين ملص، وتدور أحداثه حول عسكري وشاعر يعيشان في غرفة واحدة، وسط تناقضات الحياة في زمن عبثي لا يحمل ملامح زمنية محددة.
ويقول إن العمل يتعمد ترك زمن الأحداث مفتوحاً، فلا يعرف المشاهد إن كانت تجري قبل سقوط النظام، أم خلال الثورة السورية، أم بعد سقوطه، كما تختلف أعمار الشخصيتين وتصوراتهما الزمنية، بما يترك مساحة للتأويل والاكتشاف أمام الجمهور.
ويعتمد العرض اللهجة العامية السورية، في معالجة مسرحية تستند إلى التناقضات الإنسانية والاجتماعية، وتطرح أسئلة حول الواقع والزمن وموقع الإنسان في خضم التحولات.
أما مسرحية "حديقة الحيوانات" التي تُعرض اليوم الاثنين في مقهى الروضة، فتستند إلى نص للكاتب الأمريكي إدوارد ألبي، لكن الأخوين ملص قدّما له معالجة حرة، إذ يوضح محمد ملص أنهما احتفظا بنحو خمسة بالمئة فقط من النص الأصلي، فيما أعادا كتابة وصياغة النسبة الأكبر، ليصبح العمل أقرب إلى الواقع السوري وباللهجة السورية.
نعود محمّلين بتجارب ثلاثة عشر عاماً
من جهته، يستعيد أحمد ملص بدايات التجربة المسرحية قبل مغادرة سورية، مشيراً إلى مشاركتهما عام 2011 في عرض حمل عنوان "الثورة غداً تؤجل إلى البارحة"، قبل اضطرارهما إلى مغادرة البلاد هرباً من ملاحقة الأجهزة الأمنية.
ويقول ملص إن عودتهما اليوم تأتي محمّلة بتجارب فنية اكتسباها خلال ثلاثة عشر عاماً في فرنسا وأوروبا عموماً، مضيفاً: "اليوم نعيد هذه التجربة، ونحن محمّلون بكل ما عايشناه وتعلمناه خلال سنوات الاغتراب. نحن نبحث عن مسرح حر، نستطيع من خلاله أن نقول ما يمليه علينا ضميرنا و ما يجب أن يقال.
وبين عرض "كل عار وأنتم بخير" وعرض "حديقة الحيوانات" ، يفتح الأخوان ملص نافذة على تجربة مسرحية تستعيد علاقتها بالمكان والجمهور، وتعيد طرح سؤال الحرية في الفن، عبر مساحات صغيرة تقترب فيها المسافة بين الممثل والمشاهد إلى حد تصبح معه جزءاً من الحكاية نفسها.






