حولت "فرصة العمر" التي انتظرها آلاف الفلاحين السوريين العائدين من النزوح إلى سهل الغاب بريف حماة إلى كابوس حقيقي، بعد أن خذلتهم بذار القمح الحكومية الموزعة ضمن مشروع "القرض الحسن"، حيث كشف تحقيق استقصائي موسّع نشرته الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية "سراج" للصحفيين مصعب الياسين وأحمد حاج حمدو عن خسائر فادحة لحقت بالمزارعين الذين واجهوا ضعفاً حاداً في إنبات البذور أدى إلى تراجع المحصول لأقل من النصف، مما رتب عليهم ديوناً إضافية بدلاً من مساعدتهم على ترميم منازلهم المدمرة.
ما هو "القرض الحسن" الذي وُعد به الفلاحون؟
وفقاً للبيانات الرسمية لوزارة الزراعة السورية التي أوردها التحقيق المذكور، أُطلق مشروع "القرض الحسن" في تشرين الثاني 2025 بميزانية بلغت 75 مليون دولار أميركي، مستهدفاً زراعة 300 ألف هكتار، وتمثل المشروع في تقديم قرض عيني ميسر (دون أي فوائد) يتضمن توزيع بذار قمح محسنة وأسمدة آزوتية وفوسفاتية على المزارعين، على أن يسددوا قيمتها للدولة بعد جني المحصول وحصاده، وكان المشروع يمثل طوق نجاة للفلاحين العائدين حديثاً إلى أراضيهم والذين لا يملكون أي مقومات لاستصلاحها.
سوس ونخر في البذار المدعومة
خيبة الأمل بدأت سريعاً بحسب التحقيق، إذ فوجئ الفلاحون برداءة البذار المستلمة من المصرف الزراعي في السقيلبية عند فتح الأكياس، وأفاد مزارعون ورؤساء جمعيات فلاحية بأن حبوب القمح (التي حملت أصناف دوما وشام ومصدرها مؤسسة إكثار البذار) كانت صغيرة، منخورة، وتحتوي على سوس ومواد دقيقة بيضاء تشبه الدقيق نتيجة سوء التخزين أو الرعاية.
إنبات لم يتجاوز 20%
وثق تحقيق "سراج" عبر المعاينة البصرية الميدانية والمسح بطائرات مسيرة (درون) في الفترة بين شباط وتموز من العام الجاري المعطيات التالية:
نسبة الإنبات: تراوحت في الأراضي المتضررة بين 15% إلى 40% فقط مقارنة بالوضع الطبيعي.
مساحات متضررة واسعة بلغت آلاف الدونمات موزعة على قرى الصهرية، الحويز، الحويجة، الحواش، والعمقية.
تغيير المحاصيل: اضطر مزارعون لتغيير محصولهم وإعادة الزراعة على نفقتهم الخاصة بناءً على نصيحة الوحدات الإرشادية، وبلغت المساحات التي جرى تغييرها كلياً أو جزئياً نحو 3342 هكتاراً لأسباب متعددة.
مقارنة تنفي الأعذار الحكومية
بينما بررت اللجان الحكومية ومؤسسة إكثار البذار المشكلة بالظروف الجوية وغزارة الأمطار وتأخر الزراعة، أثبتت أدلة التحقيق، عكس ذلك، فالحقول المجاورة تماماً والتي زُرعت ببذار من القطاع الخاص (وفي نفس الظروف والمواعيد) حققت إنباتاً ممتازاً ومثالياً، حيث تراوح إنتاج دونم القطاع الخاص بين 350-500 كغ، في حين لم يتجاوز إنتاج دونم "القرض الحسن" 40-150 كغ في المناطق المتضررة.
فرضيات الخبراء: بذار هجينة ومخزّنة
أشار خبراء زراعيون التقتهم "سراج" إلى احتمالين أساسيين للخلل: بذار هجينة مستوردة (F1): معبأة بأكياس وطنية بشكل اعتباطي، وهي غير ملائمة لتربة سهل الغاب وتفقد قدرتها الإنتاجية الكبيرة بعد موسم واحد، والاحتمال الثاني، تفاعل المواد الحافظة: تخزين البذار لفترة طويلة تجاوزت الحد المسموح أدى لتفاعل المواد الكيميائية الحافظة مع الحبوب، وتحولها لما يشبه البودرة البيضاء المطحونة.
مأساة إنسانية ومطالب بالإعفاء
تكبد الفلاحون خسائر مالية فادحة قُدّرت بنحو 70 دولاراً ككلفة وسطية لحراثة وزراعة الدونم الواحد التي ذهبت أدراج الرياح، واليوم، يجد الفلاحون الذين عادوا إلى قراهم المدمرة بعد سنوات نزوح قاسية في المخيمات أنفسهم أمام خيار العودة إلى الخيام فوق الأنقاض وتحت طائلة ديون "قرض" لم يثمر، وسط نداءات جماعية ومطالبات للجهات المعنية بضرورة "الإعفاء الكامل من ثمن هذه البذار" التالفة.
جدير بالذكر أن وزارة الزراعة والمصرف الزراعي في السقيلبية، لم يردا على أسئلة معدّي تحقيق "سراج" حتى تاريخ نشره.






