بعد مرور عامٍ على سقوط النظام في سوريا، تبدو ملامح الاقتصاد المحلي في مرحلة إعادة تشكّل عميقة، تتداخل فيها التحولات السياسية مع محاولات إعادة بناء مؤسسات الدولة، وعودة تدريجية للتواصل مع المحيط الإقليمي. هذا التحول لا يزال هشّاً، لكنه يفتح الباب أمام اقتصادٍ مختلفٍ تماماً عما كان سائداً خلال سنوات الحرب والانهيار.
ملامح التحول الاقتصادي بعد عامٍ من التغيير
تشير تقارير اقتصادية صادرة عن البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الاقتصاد السوري بدأ يشهد تحولات أولية في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
1- تحسن نسبي في الاستقرار النقدي بعد توحيد السياسات المالية.
2- عودة النشاط التجاري في المدن الكبرى مع تراجع القيود الأمنية.
3- زيادة تدفق التحويلات والاستثمارات الصغيرة من السوريين في الخارج.
هذه المؤشرات لا تعني تعافياً كاملاً، لكنها تعكس بداية مسار اقتصادي جديد يعتمد على إعادة بناء الثقة وإحياء القطاعات الإنتاجية.
إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.. خطوة أولى نحو التعافي
أبرز ما تغيّر خلال العام الأول هو عودة الزراعة والصناعة الخفيفة إلى الواجهة، فالمناطق الزراعية في الشمال والشرق شهدت ارتفاعاً في الإنتاج بعد إعادة تأهيل شبكات الري، بينما بدأت المصانع الصغيرة في حلب وريف دمشق باستئناف العمل تدريجياً، مستفيدةً من تحسن الكهرباء وعودة اليد العاملة.
وتقدّر منظمات اقتصادية أن إعادة تشغيل هذه القطاعات يمكن أن يخلق عشرات آلاف الوظائف خلال فترة قصيرة، ما يخفف الضغط عن سوق العمل ويعيد الحركة إلى الأسواق المحلية.
التجارة والانفتاح الإقليمي.. بوابة لاقتصادٍ جديد
بعد عامٍ من التغيير السياسي، بدأت سوريا تستعيد جزءاً من علاقاتها الاقتصادية مع دول الجوار، خصوصاً الأردن والعراق وتركيا. كما أن دول الخليج أبدت اهتماماً أولياً بمتابعة مشاريع لوجستية وطاقة يمكن أن تمر عبر الأراضي السورية، مستفيدةً من موقع البلاد الجغرافي الذي يربط الخليج بتركيا وأوروبا، هذا الانفتاح - إن استمر - قد يحوّل سوريا إلى ممر تجاري إقليمي، وهو دور فقدته البلاد خلال سنوات الحرب.
إعادة الإعمار.. محرك اقتصادي ينتظر الانطلاق
رغم أن عملية إعادة الإعمار لم تبدأ فعلياً بعد، فإن العام الأول شهد وضع الأسس القانونية والتنظيمية لجذب الشركات الدولية، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كلفة إعادة الإعمار تتجاوز 400 مليار دولار، ما يجعل هذا الملف أكبر فرصة اقتصادية في تاريخ سوريا الحديث، لكن نجاحه يتطلب بيئة استثمارية شفافة، وتعاوناً دولياً واسعاً، وإشراكاً فعلياً للسوريين في الخارج الذين يمتلكون رؤوس أموال كبيرة.
السياسة النقدية واستقرار الليرة.. تحديات مستمرة
شهدت الليرة السورية تحسناً محدوداً بعد توحيد السياسة النقدية وإعادة هيكلة بعض المصارف، لكن الاستقرار لا يزال هشّاً، وتوصي المؤسسات المالية الدولية بضرورة تعزيز استقلالية البنك المركزي، ضبط الإنفاق الحكومي، وتوجيه القروض نحو مشاريع إنتاجية لا استهلاكية هذه الخطوات ضرورية لمنع عودة التضخم والانهيار النقدي.
اقتصادٌ يتغيّر.. لكن الطريق طويل
بعد عامٍ من سقوط النظام، يمكن القول إن الاقتصاد السوري بدأ يتحرك، لكنه لا يزال في بداية الطريق، فالتحول الحقيقي يحتاج إلى استقرار سياسي، وبيئة قانونية واضحة، وشراكات إقليمية ودولية قادرة على دعم مشاريع إعادة الإعمار والإنتاج.
ومع توفر هذه الشروط، يمكن لسوريا أن تبني اقتصاداً جديداً أكثر تنوعاً وقدرةً على النمو، اقتصاداً يختلف جذرياً عمّا كان قبل الحرب، ويمنح السوريين فرصة لاستعادة حياتهم وإعادة بناء دولتهم.






