مع بداية الخريف، يُلاحظ بعض الأشخاص تغيراً واضحاً في مزاجهم ومستوى طاقتهم ورغبتهم في التواصل مع الآخرين، قد يكون الأمر مجرد استجابة طبيعية لقِصر النهار وتغير نمط الحياة، لكن لدى البعض قد تتطور هذه التغيرات إلى حالة تُعرف علمياً بـ "الاضطراب العاطفي الموسمي" (Seasonal Affective Disorder – SAD)، وهو نمط من الاضطراب الاكتئابي يرتبط بتغير الفصول.
وفي حديث لموقع Syria One، توضح المعالجة النفسية والمستشارة الأسرية عزة كردي، أن الاكتئاب الموسمي، لا يبدأ بالضرورة، حصراً في الخريف، مضيفة: "النمط الأكثر شيوعاً هو النمط الشتوي، حيث تبدأ الأعراض غالباً في أواخر الخريف أو بداية الشتاء، وتتحسن خلال الربيع والصيف، وهناك نمط أقل شيوعاً تظهر فيه الأعراض خلال الربيع والصيف، لذلك، فالمعيار الأساسي ليس مجرد حلول فصل الخريف، وإنما تكرار ظهور الأعراض في فترة موسمية محددة عبر سنوات متتالية، مع تحسنها في بقية العام".
وعن مدى انتشاره، تقول كردي: "تختلف معدلات الانتشار بشكل كبير بين الدراسات والمناطق الجغرافية، ويبدو أن خط العرض وكمية التعرض للضوء يرتبطان بانتشاره، ووفق تحليل تلوي "دراسة تجمع نتائج دراسات سابقة متعددة" حديث شمل 24 دراسة وقرابة 32,866 مشاركاً، قُدّر الانتشار المجمع للاضطراب العاطفي الموسمي بنحو 5%، مع ارتفاع المعدلات كلما ارتفع خط العرض، مضيفة: "أما بالنسبة إلى سوريا تحديداً، فلا تتوفر، بحسب الأدلة المنشورة التي يمكن الاستناد إليها، نسبة وطنية موثوقة وحديثة تسمح بتحديد مدى انتشار الاضطراب العاطفي الموسمي بين السوريين، لذلك من غير الدقيق وضع نسبة محددة لسوريا دون دراسة سكانية متخصصة".
وأشارت إلى أن أعراض الاكتئاب الموسمي تشبه إلى حد كبير أعراض نوبات الاكتئاب المعروفة، ومنها: "انخفاض المزاج والشعور بالحزن أو الفراغ، فقدان الاهتمام والمتعة بالأنشطة المعتادة، التعب وانخفاض الطاقة، صعوبة التركيز واتخاذ القرارات، الشعور بالذنب أو انعدام القيمة، تغيرات في النوم والشهية، الانسحاب الاجتماعي"، وفي النمط الشتوي تحديداً، قد تظهر أعراض إضافية مثل النوم لساعات أطول، زيادة الشهية والرغبة في تناول الكربوهيدرات، وزيادة الوزن والميل إلى العزلة الاجتماعية.
وذكرت كردي أن هناك تشابهاً كبيراً بينه وبين الاكتئاب الفعلي العادي، في الأعراض، لكن الفرق الأساسي يكمن في النمط الزمني، متابعة: "الاكتئاب غير الموسمي قد يظهر في أي وقت من السنة، بينما يتميز الاكتئاب ذي النمط الموسمي بارتباط نوبات الاكتئاب بموسم محدد وتكرر هذا النمط عبر سنوات متتالية، لذلك لا يكفي أن يشعر الإنسان بالحزن في الخريف لمرة واحدة حتى نقول إنه يعاني من اكتئاب موسمي".
ومن المهم أيضاً، بحسب كردي، التمييز بين الاكتئاب الموسمي وبين ما يُسمى أحياناً بـ"كآبة الشتاء"؛، فالتغير البسيط في المزاج أو انخفاض النشاط لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، متابعة: "لا يوجد سبب واحد مثبت يفسر الاكتئاب الموسمي، لكن تشير الأبحاث إلى دور التغير في كمية الضوء الطبيعي وتأثيره في الساعة البيولوجية للجسم، وفي تنظيم مواد كيميائية وهرمونات مرتبطة بالمزاج والنوم، مثل السيروتونين والميلاتونين، كما قد يكون لنقص فيتامين D دور لدى بعض الأشخاص، لكن العلاقة بينه وبين الاكتئاب الموسمي ليست بهذه البساطة، ولا يعني انخفاض فيتامين D وحده وجود اضطراب عاطفي موسمي".
وأشارت إلى أن هناك خطوات بسيطة قد تساعد تخفيف الأعراض في الحالات الخفيفة، مثل:
التعرض للضوء الطبيعي: الخروج خلال ساعات النهار والاستفادة قدر الإمكان من ضوء الشمس.
الحفاظ على النشاط البدني: ممارسة الرياضة بانتظام يمكن أن تدعم المزاج والنوم.
تنظيم النوم: الحفاظ على مواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ.
عدم الانعزال: الاستمرار في التواصل الاجتماعي والأنشطة الممتعة حتى مع انخفاض الدافعية.
طلب المساعدة المتخصصة: إذا استمرت الأعراض لأكثر من أسبوعين، أو أثرت بوضوح على العمل والعلاقات والحياة اليومية، فمن المهم استشارة مختص في الصحة النفسية.
وفي الحالات التي تستدعي العلاج، يمكن أن تشمل الخيارات العلاج النفسي، والعلاج بالضوء، والأدوية المضادة للاكتئاب في بعض الحالات، إضافة إلى معالجة نقص فيتامين D عند وجوده، ويجب أن يحدد الطبيب أو المختص العلاج المناسب وفق حالة كل شخص.
وختمت المعالجة النفسية والمستشارة الأسرية كلامها، مؤكدة أن "الخريف بحد ذاته لا يسبب الاكتئاب، كما أن الشعور ببعض الخمول أو انخفاض المزاج مع تغير الطقس لا يعني بالضرورة الإصابة باضطراب موسمي، لكن عندما تتكرر أعراض اكتئابية واضحة في الفترة نفسها من كل عام، وتؤثر في حياة الإنسان وعمله وعلاقاته، فمن المهم عدم تجاهلها، فهم العلاقة بين تغير الفصول والصحة النفسية يساعدنا على ملاحظة الأعراض مبكراً، والتعامل معها قبل أن تتحول إلى معاناة أكبر".






