لا ينتهي خطر تهريب الأسلحة والمخدرات في سوريا عند ضبط شحنة أو إحباط محاولة عبور؛ إذ تستطيع الشبكات المنظمة إعادة ترتيب نشاطها وتغيير مساراتها.
وبينما تمثل عمليات الضبط خطوة أمنية مهمة، يبقى التحدي في الحد من قدرة هذه الشبكات على تكرار نشاطها، في ظل اتساع الحدود وتعدد الدول المجاورة وصعوبات إعادة بناء المؤسسات بعد سنوات الصراع.
ويرى الخبير الاقتصادي ميلاد الأطرش، في تحليل خاص لـSyria One، أن محاولات التهريب تختبر قدرة سوريا على فرض سيادتها ومواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وأن الحد من تكرارها يتطلب استراتيجية تجمع بين الأمن والقضاء والتعاون الإقليمي والتنمية الاقتصادية.
تفكيك الشبكات وتجفيف مصادر تمويلها
يوضح الأطرش أن مواجهة التهريب لا تقتصر على اكتشاف الشحنات، بل تتطلب كشف الجهات التي تموّل العمليات وتديرها، وتتبع حلقات النقل والتخزين والتوزيع، وتحديد المستفيدين من العائدات غير المشروعة.
لذلك، ينبغي أن تمتد التحقيقات من المنفذين إلى العلاقات المالية واللوجستية التي تربط الشبكات، مع تطوير التحقيق المالي ومكافحة غسل الأموال، والتعامل مع شبهات الفساد عبر تحقيقات مستقلة وأدلة موثوقة.
مؤسسات أمنية وقضاء فاعل
يشدد التحليل على تطوير قواعد البيانات وتبادل المعلومات وربط القضايا التي تكشف التحقيقات وجود صلات بينها، إلى جانب تدريب العاملين وتوفير التجهيزات وتحديد الصلاحيات.
وفي المرحلة الانتقالية، تبرز أهمية توحيد المرجعيات الأمنية ووضوح سلسلة القيادة، بالتوازي مع استقلال القضاء وسلامة الإجراءات، لضمان تقديم أدلة قابلة للاعتماد أمام المحاكم ومحاسبة المتورطين الفعليين.
كما يتطلب استمرار النتائج إخضاع الأداء الأمني والجمركي للرقابة والمساءلة، بما يمنع الاعتماد على الحملات المؤقتة أو اجتهادات الأفراد.
تعاون إقليمي وتنمية محلية
ولأن شبكات التهريب قد تعمل عبر أكثر من دولة، يدعو الأطرش إلى تعاون مؤسسي مستمر مع لبنان والعراق والأردن وتركيا، يشمل تبادل المعلومات والتحقيقات والتعاون القضائي، بعيداً عن تبادل الاتهامات السياسية.
ويشير إلى أن ضعف فرص العمل والخدمات في بعض المناطق قد يتيح للشبكات استغلال الاحتياجات المحلية، من دون أن يعني ذلك أن الفقر يؤدي حتماً إلى الجريمة.
لذا، ينبغي أن تترافق الإجراءات الأمنية مع دعم العمل والتجارة المشروعة والخدمات، وبناء الثقة مع السكان، وتوفير قنوات آمنة للإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة وحماية المبلّغين.
قياس النتائج لا المضبوطات وحدها
ويؤكد التحليل أن أعداد الشحنات المضبوطة لا تكفي وحدها لتقييم الأداء؛ فارتفاعها قد يعكس زيادة محاولات التهريب أو تحسن قدرات الكشف، فيما لا يثبت انخفاضها تلقائياً تراجع النشاط، ويقتضي التقييم متابعة تفكيك الشبكات ونتائج المحاكمات وتعقب الأموال غير المشروعة وتكرار النشاط بمرور الوقت، إلى جانب نشر بيانات دورية واضحة تراعي متطلبات التحقيق والأمن.
ويحدد الأطرش الهدف الواقعي في تقليص قدرة الشبكات على العمل، ورفع كلفة نشاطها غير المشروع ومنعها من إعادة بناء نفوذها، بدلاً من التعهد بالقضاء التام على التهريب خلال فترة قصيرة.






