لم يكن قرار وزارة الإعلام السورية بمنع أحمد كسار العيسى ومصطفى بسام زوادة من مزاولة صناعة المحتوى مجرّد ردّ فعل على فيديو مسيء عابر، بل جاء بوصفه اختبارًا عمليًا لقدرة الدولة على الانتقال من فوضى الإعلام الرقمي إلى منطق التنظيم والمساءلة.
فالحدث، بما أثاره من جدل واسع، كشف هشاشة المعايير الناظمة للعمل الإعلامي، وأعاد طرح سؤال جوهري، هل بات ضبط المحتوى ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل؟
قرار يتجاوز الأشخاص… إلى المبدأ
تكمن أهمية هذه الخطوة في أنها لا تستهدف أسماء بعينها بقدر ما تضع سابقة تنظيمية في التعامل مع صناع المحتوى، خاصة أولئك الذين يوظفون صفة “الصحافة” خارج إطارها المهني. فالوزارة، وفق بيانها، لم تُبرّر القرار بأسباب سياسية أو ظرفية، بل ربطته بشكل مباشر بـإساءة استخدام صفة الصحفي، والإخلال بأخلاقيات المهنة، والتحريض أو الإساءة خلال أحداث حساسة.
هذا التحول في الخطاب الرسمي يعكس انتقالًا من سياسة التغاضي أو المعالجة الانتقائية، إلى منطق مؤسساتي يقوم على المحاسبة القانونية، وهو ما ينسجم مع المعايير المعتمدة في تنظيم الإعلام في الدول التي تحترم الفضاء العام.
ضبط العمل الإعلامي: لماذا الآن؟
يشهد المشهد الإعلامي السوري، كما في دول كثيرة، تضخما غير منضبط في صناعة المحتوى، حيث بات الهاتف المحمول منصة إعلامية، وباتت “الترندات” تحلّ محل المسؤولية المهنية، وهذا الواقع أفرز محتوى تحريضيًا أو مسيئًا للمكونات الاجتماعية، واستغلالًا لصفة الصحافة دون ترخيص أو التزام مهني، كما أفرز خلطًا بين الرأي الشخصي والتغطية الإعلامية.
من هنا، يأتي قرار وزارة الإعلام في توقيت حساس، ليؤكد أن حرية التعبير لا تعني الفوضى، وأن النقد لا يبرر الإساءة.
أهمية الفصل بين الصحافة وصناعة المحتوى
أحد أهم أبعاد القرار هو إعادة الاعتبار للفصل بين الصحفي وصانع المحتوى. فالصحافة مهنة تحكمها ضوابط أخلاقية وقانونية، بينما صناعة المحتوى فضاء أوسع، لكنه ليس خارج المحاسبة عندما يتقاطع مع الشأن العام أو يستخدم رموزًا مهنية كـ“PRESS”.
منع أحد المذكورين نهائيًا، بعد تكرار المخالفة رغم التعهّد، يرسل رسالة واضحة مفادها أن التساهل السابق انتهى، والتكرار سيقود إلى الإقصاء الكامل من المجال الإعلامي.
رسالة إلى المجتمع والناشطين
لاقى القرار ترحيبًا واسعًا من ناشطين وإعلاميين، ليس بدافع الخصومة مع الأشخاص، بل لكونه خطوة نحو حماية السلم الأهلي وضبط الخطاب العام. فالمجتمع، في لحظات التوتر، يكون أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى التحريضي، ما يجعل التنظيم واجبًا لا خيارًا.
كما يعكس القرار إدراكًا رسميًا بأن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل فاعل مؤثر فيها، وبالتالي لا يمكن تركه دون ضوابط.
هل هي بداية مسار أم إجراء معزول؟
رغم أهمية القرار، تبقى قيمته الحقيقية مرهونة باستمراريته، وتطبيقه على الجميع دون استثناء، فالمطلوب ليس فقط معاقبة المخالفين، بل وضع معايير واضحة لترخيص صناع المحتوى، وتحديد الخط الفاصل بين الرأي والإساءة، وتفعيل دور النقابات والمؤسسات الإعلامية.
إذا ما جرى البناء على هذه الخطوة، فإنها قد تمثل نقطة تحوّل في إعادة تنظيم الفضاء الإعلامي السوري.
ما قامت به وزارة الإعلام ليس تضييقًا على الحريات، بل محاولة متأخرة لكنها ضرورية لضبط المشهد الإعلامي. فالصحافة ليست غطاءً للإساءة، وصناعة المحتوى ليست منطقة خارجة عن القانون، وبين هذين الحدّين، تبرز هذه الخطوة بوصفها اتجاهًا صحيحًا نحو إعلام مسؤول، يحمي المجتمع ولا يحرّض عليه.
سياسي
لماذا يعد قرار وزارة الإعلام بحق صناع محتوى خطوة مفصلية في ضبط إيقاع الخطاب الإعلامي؟
571

مقالات ذات صلة

رويترز: ترامب يقول إن توقيع اتفاق إيران غدا
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم السبت إنه من المقرر توقيع اتفاق مع إيران غدا الأحد
16

رئيس وزراء باكستان: من المتوقع إبرام اتفاق أمريكا وإيران خلال 24 ساعة
قال رئيس وزراء باكستان إنه من المتوقع إبرام اتفاق أمريكا وإيران خلال 24 ساعة
28

لأول مرة.. قانون تحديد المخطئ يقلب قرار الحكم بلقاء أمريكا وباراغواي
استهل منتخب الولايات المتحدة مشواره في كأس العالم 2026 بفوز مريح على باراغواي، لكن المباراة شهدت لقطة تاريخية أثارت حيرة الجماهير داخل ملعب سوفي ستاديوم، بعد تدخل غير مسبوق من تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، لتحديد هوية المخطئ
21

الإعلامية البارزة ريهام سعيد تنشر خبرا عن طلاقها.. وتحذف المنشور
أعلنت الإعلامية المصرية البارزة ريهام سعيد عبر منشور عن طلاقها بعد 10 سنوات من الزواج، قبل أن تقوم لاحقًا بحذف المنشور
24

سلام لرويترز : على حزب الله أن يعلن دعمه للمفاوضات التي نجريها في واشنطن
طلب رئيس حكومة لبنان نواف سلام من حزب الله إنقاذ البلاد وتغليب مصلحتها على مصلحة إيران، وأن يكون على مسار واحد مع الحكومة لتأمين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان
37
