فن

ليلة الوداع على خشبة الحمراء بدمشق.. أربع ممثلات يختصرن عمر امرأة

9
ليلة الوداع على خشبة الحمراء بدمشق.. أربع ممثلات يختصرن عمر امرأةعبدالرحمن السيد

على خشبة مسرح الحمراء في دمشق، قدّمت فرقة «تيترو سوري» عرضها المسرحي «ليلة الوداع» على مدى ثلاثة أيام، حاملةً معها تجربة مسرحية حصدت جائزتي أفضل عرض متكامل وأفضل ممثلة للفنانة هالة البدين، في ختام فعاليات مهرجان سوريا المسرحي الذي استضافته مدينة حلب في أيلول 2026، تحت شعار «كل دروب المسرح توصل إلى حلب».


يستند العرض إلى نص للكاتب جوان جان، وأعاد المخرج سعيد حناوي تشكيله مسرحياً من صيغة المونودراما إلى أداء جماعي تتقاسمه أربع ممثلات، هن ديالا العلي، وهالة البدين، ومروة الزير، ونور نجار، في تجربة تستكشف الذاكرة النسائية ومراحل العمر، وتضع المشاهد أمام حكاية امرأة أنهكها الخذلان.


وتروي المسرحية حكاية امرأة متقدمة في العمر تقرر التوجه إلى دار المسنين بعدما انقطعت صلتها بالعالم المحيط بها، وتخلّى عنها الزوج والأبناء والأقارب، فلم يبقَ لها سوى ذكريات مريرة عن أب ظالم وزوج خائن وأبناء عاقين.


لكن الحكاية، في معالجتها المسرحية، تتجاوز حدود السرد التقليدي لتصبح رحلة في طبقات الذاكرة، وفي حياة امرأة تتناوب على تجسيدها أربع ممثلات، تمثل كل واحدة منهن مرحلة عمرية من حياتها.


 التجريب والعبث


المخرج سعيد حناوي، شرح لـ Syria One رؤيته الإخراجية، موضحاً أن نقطة الانطلاق كانت تحويل النص من مونودراما إلى عمل تؤديه أربع ممثلات، في محاولة لتقديم الشخصية الرئيسية عبر مراحلها العمرية المختلفة.


وأشار حناوي إلى أنه مزج بين المسرح التجريبي واللامعقول، واتجه نحو مسرح العبث، مع اعتماد تشكيل بصري يجمع الممثلات والديكور والإضاءة والأزياء ضمن فضاء مسرحي واحد.


وأوضح أن التجديد لم يقتصر على الصورة المسرحية، بل شمل الأداء أيضاً، معتبراً أن طريقة الاشتغال على النص وتوظيف عناصر العرض أسهمتا في منح التجربة خصوصيتها.


وعن فلسفته في الإخراج، شبّه حناوي العملية الإبداعية بمعادلة لا تخضع لنتيجة حسابية ثابتة، موضحاً أن واحداً زائد واحد قد يساوي خمسة، في إشارة إلى أن الإخراج لا تحكمه وصفة موحدة، وإنما يتشكل من رؤية المخرج وخبرته وحرفيته وقدرته على تطوير إمكانات فريق العمل.


أربع ممثلات وذاكرة واحدة


تتقاسم ديالا العلي، وهالة البدين، ومروة الزير، ونور نجار أداء الشخصية الرئيسية، في توزيع يمنح المراحل العمرية المختلفة حضوراً جسدياً وصوتياً متعدداً.


ويشكّل هذا الخيار تحدياً تمثيلياً، إذ يتطلب من الممثلات الحفاظ على وحدة الشخصية النفسية والإنسانية، رغم اختلاف الأعمار وتعدد الأصوات التي تعبّر عن تجاربها ووجعها.


وقد بدا الإيقاع المتسارع جزءاً أساسياً من هذه المعالجة، إذ تتلاحق التحولات في حياة المرأة، وكأن المشاهد يستعيد معها عمراً كاملاً في مساحة زمنية محدودة.


ويمنح هذا البناء الحكاية طاقة درامية، لكنه يضع الأداء أيضاً أمام ضرورة الموازنة بين تصاعد الانفعال واللحظات الهادئة التي تسمح للألم بأن يستقر في وجدان المشاهد.


من اللحظات اللافتة في العرض بدمشق، بدايته في الدقائق الأولى من دون الإضاءة المسرحية المعتادة، بسبب انقطاع الكهرباء، مع الاعتماد على الإضاءة العامة المتاحة.


وتحدّث حناوي عن هذه اللحظة، موضحاً أن تفاعل الجمهور كان واضحاً رغم الظرف التقني، وأن المسألة ترتبط بقدرة الفنانين على جعل حضورهم فوق الخشبة مرآةً للجمهور، بما يتيح وصول الإحساس الإنساني حتى في غياب بعض الشروط الفنية المعتادة.


ومن هنا يبرز سؤال مسرحي مهم: إلى أي حد يستطيع المخرج تطويع إمكانات الممثلين والفضاء المتاح لتعويض غياب بعض عناصر العرض أو إعادة توظيفها؟

خلال المشاهد، كانت الصرخات وأصوات الألم من أبرز الوسائل التعبيرية، حتى إن أثرها بدا أحياناً أشد حضوراً من الحاجة إلى الموسيقى التصويرية. فالصوت هنا يتجاوز وظيفته الحوارية ليصبح امتداداً للحالة النفسية للشخصية.


ومع ذلك، فإن ما كشفته هذه البداية من قدرة الأداء على التواصل لا يقلل من أهمية الإضاءة والموسيقى وسائر العناصر التقنية في اكتمال الصورة المسرحية.


لم يبقَ لها سوى الذكريات


تحدّث مؤلف العمل جوان جان لـSyria One عن مضمون النص، موضحاً أن الحكاية تتناول امرأة بلغت من العمر مرحلة دفعتها إلى التوجه بإرادتها إلى دار المسنين، بعدما انقطعت صلتها بالعالم الخارجي وتخلّى عنها الزوج والأبناء والأقارب.


وأضاف أن المرأة لا تجد أمامها سوى ذكرياتها المريرة مع أب ظالم وزوج خائن وأبناء عاقين، لتصبح الذاكرة المساحة الأخيرة التي تقيم فيها، على الرغم مما تحمله من ألم.


ورأى جان أن المخرج وفريق العمل استطاعوا إيصال قدر مهم من مضمون النص من خلال تشكيل سينوغرافي لافت وأداء جماعي متكامل ورؤية بصرية تجمع مختلف عناصر العرض.


وأشار إلى أن «ليلة الوداع» تمثل تعاونه الأول مع المخرج سعيد حناوي، في تجربة انتقلت بالنص من المونودراما إلى صيغة جماعية متعددة الأصوات والأجساد.


جائزتان في مهرجان سوريا المسرحي


شكّل حصول «ليلة الوداع» على جائزة أفضل عرض متكامل، وفوز هالة البدين بجائزة أفضل ممثلة، أبرز محطتين في مسيرة العرض ضمن مهرجان سوريا المسرحي الذي استضافته حلب في أيلول 2026، تحت شعار «كل دروب المسرح توصل إلى حلب».


وتكتسب الجائزتان دلالتان فنيتان في ضوء طبيعة التجربة التي تقوم على تحويل نص مونودرامي إلى عمل جماعي، وتوزيع الشخصية الرئيسية على أربع ممثلات، مع بناء رؤية إخراجية تعتمد على التجريب والتشكيل البصري.


من يودّع مَن؟


يحمل عنوان «ليلة الوداع» سؤالاً يتجاوز مصير المرأة التي تختار دار المسنين مكاناً أخيراً لها. هل تودّع المرأة عائلتها والعالم الذي خذلها، أم أن هذا العالم هو الذي يودّعها بعدما لم يعد يرى فيها سوى أنها عبء لا يحتمل ؟


بين هذين الاحتمالين، تتجاوز الحكاية حدود امرأة واحدة لتلامس علاقة المجتمع بكبار السن، ومعنى الوفاء داخل الأسرة، ومصير الإنسان حين تتراجع قدرته على العطاء.


بين قوة الموضوع ومخاطرة الشكل


«ليلة الوداع» استطاع إبقاء الانتباه مشدوداً إلى حكاية امرأة تتراكم فوق ذاكرتها الخيبات. وقد ساعد الجمع بين الأداء الجماعي والإيقاع المتسارع والانفعال الصوتي على نقل المعاناة إلى الخشبة بصورة مباشرة.


في الأداء، تبدو قسمة الشخصية على أربع ممثلات مغامرة تستحق التوقف عندها؛ فهي تتيح تجسيد مراحل العمر بصورة مرئية، لكنها تتطلب في الوقت نفسه تناغماً نفسياً وأدائياً يحافظ على وحدة الشخصية. ويظل نجاح هذا الاختيار مرتبطاً بقدرة كل ممثلة على تقديم مرحلة متميزة، مع إبقاء الخيط الإنساني الذي يجمع المراحل الأربع واضحاً.


أما الإيقاع، فقد منح العرض طاقة متواصلة، وإن كان هذا التسارع يحتاج إلى مساحات من الصمت والتأمل، تتيح للوجع أن يتجاوز لحظة الانفعال إلى أثر أعمق. فالصرخة قادرة على إيقاظ المشاعر، لكن الصمت قد يكشف أحياناً ما تعجز الصرخة عن قوله.


وفي السينوغرافيا، تحضر محاولة بناء فضاء مسرحي تتكامل فيه الأجساد والملابس والديكور والإضاءة، بحيث يصبح الممثل جزءاً من تشكيل الصورة، وليس مجرد مؤدٍّ للحوار. وتكمن قيمة هذا الخيار في قدرته على إنتاج دلالات تخدم الحكاية، وتمنح المشاهد أكثر من مستوى للتلقي.


أما تفاعل الجمهور، فيشير إلى أن القضية الإنسانية التي يحملها النص وجدت طريقها إلى المتلقين، حتى في ظل البداية الاستثنائية للعرض. لكن التفاعل الآني، على أهميته، يظل جزءاً من التقييم، إلى جانب تماسك البناء الدرامي وتوازن الأداء ووضوح الرؤية الإخراجية.


مقالات ذات صلة

قضية هيفاء وهبي.. سجن وغرامة مالية لمدير أعمالها السابق

قضية هيفاء وهبي.. سجن وغرامة مالية لمدير أعمالها السابق

قضت محكمة القاهرة الاقتصادية، بمعاقبة محمد وزيري، مدير الأعمال السابق للفنانة اللبنانية هيفاء وهبي، بالحبس لمدة 3 سنوات وتغريمه 16 مليون جنيه (300 ألف دولار أميركي)، في القضية المتهم فيها بغسل الأموال، في تطور جديد للنزاع القضائي الذي جمع
1
أحلام تنشر صورة من جنازة ابن زوجها وتودّعه بكلمات مؤثرة

أحلام تنشر صورة من جنازة ابن زوجها وتودّعه بكلمات مؤثرة

شاركت الفنانة أحلام صورة من جنازة علي مبارك الهاجري، ابن زوجها الأعمال مبارك الهاجري، الذي رحل عن عمر 33 عاماً، وأرفقتها برسالة مؤثرة
14
الفنانة المصرية منة فضالي تخذف صورا جمعتها بالفنان أحمد السقا على إنستغرام

الفنانة المصرية منة فضالي تحذف صورا جمعتها بالفنان أحمد السقا على إنستغرام

أثارت الفنانة المصرية منة فضالي جدلا واسعا عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما حذفت صورا جمعتها بمواطنها الفنان أحمد السقا، بعد ساعات قليلة من نشرها عبر حسابها على "إنستغرام"، على خلفية انتقادات طالت طبيعة ظهورهما معًا.
82
بن أفليك يتحدث عن النفاق والفساد السياسي

بن أفليك يتحدث عن النفاق والفساد السياسي

أعرب الممثل الأمريكي بن أفليك عن خيبة أمله من النظام السياسي والسياسيين، مؤكدًا أنه لا يرغب في الترشح لأي منصب عام، بسبب ما وصفه بالنفاق والفساد والفشل الذي يشهده هذا المجال.
72
حسين فهمي يكشف عن الملصق الدعائي لمهرجان القاهرة.. الفنانة الراحلة شادية تتصدر

حسين فهمي يكشف عن الملصق الدعائي لمهرجان القاهرة.. الفنانة الراحلة شادية تتصدر

كشف الممثل حسين فهمي رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في مؤتمر صحفي الأحد عن الملصق الدعائي للدورة السابعة ​والأربعين التي تواكب مرور 50 عاما على انطلاق أول دورة للمهرجان في عام 1976
88
سيرياون إعلان 7