سياسي

ما بعد العودة.. إعادة هيكلة الجنوب السوري بين حسابات الداخل وتقاطعات الإقليم

234
ما بعد العودة.. إعادة هيكلة الجنوب السوري بين حسابات الداخل وتقاطعات الإقليم

فصل جديد في مخاض إعادة تشكيل الجنوب السوري سياسياً وأمنياً تتضح ملامحه، هذه المنطقة التي كانت يوماً شرارة الاحتجاجات عام 2011 عادت اليوم إلى واجهة المشهد، لكن بعنوان مختلف.. إعادة الهيكلة.


منذ اتفاقات 2018 التي رعَتها موسكو في درعا، دخل الجنوب مرحلة "تسويات" جمعت بين بقاء الدولة واحتفاظ قادة محليين بهوامش نفوذ، هذا النموذج خلق حالة هجينة هي سلطة مركزية اسمية، مقابل مراكز قوة محلية فاعلة.


اليوم، يبدو أن تلك المرحلة توشك على الانتهاء، فإصدار مذكرات توقيف بحق شخصيات بارزة مثل أحمد العودة، وتسليم نفسه للشرطة العسكرية، لا يمكن قراءته فقط كإجراء قضائي، بل كإشارة سياسية إلى نهاية مرحلة "القادة الضامنين" وبداية مرحلة إعادة الضبط المؤسسي.


في الجنوب السوري، لا تتحرك الأحداث منفصلة، كل خطوة تحمل صدى أبعد من حدود المدينة أو البلدة، ما يجري اليوم في درعا والسويداء لا يمكن اختزاله في مذكرة توقيف أو مغادرة شخصية عامة، إنه فصل جديد في عملية أعمق عنوانها.. إعادة هيكلة الجنوب.


العودة لم يكن مجرد قائد فصيل سابق فهو رجل التوازنات الدقيقة بين القوى الكبرى والمجتمع المحلي، صعوده جاء في سياق تفاهمات معقدة، وحضوره استمر بفعل قدرته على المناورة، لكن التحولات الإقليمية، وتبدل أولويات اللاعبين الدوليين، أعادت رسم الخطوط.


التحرك القضائي ضده يبعث برسالة مزدوجة، لا حصانة دائمة خارج الإطار المؤسسي، ولا بقاء لمناطق النفوذ الرمادية، فالجنوب الذي أدارته تفاهمات غير مكتملة يُعاد اليوم إلى معادلة مركزية أكثر صرامة، السؤال لم يعد حول شخص العودة بحد ذاته، بل حول بداية مرحلة الاحتكار الكامل للقرار الأمني للدولة فقط.


من النفوذ المحلي إلى المركزية


وفي هذا السياق يقول الباحث والمحلل السياسي ميلاد مالك الأطرش لموقع Syria one : " إن الجنوب السوري، بما يشمل درعا والسويداء، يعد منطقة محورية من حيث الأهمية الرمزية والاستراتيجية، والتحولات الأخيرة تكشف كيف تحولت التسويات المحلية والضغوط الأمنية إلى أداة لإعادة رسم النفوذ وضبط الاستقرار الداخلي، ما له انعكاسات مباشرة على المشهد الإقليمي والدولي"، ويضيف بالقول: "التسويات السابقة في درعا كانت في البداية آليات تهدئة بين الفصائل المسلحة والسلطة، لكنها مع مرور الوقت حوّلت الجنوب إلى مختبر للسيطرة المركزية، فكل تسوية محلية أصبحت مرآة لتجربة أكبر في فرض هيمنة الدولة على مناطق النزاع السابقة.


كما أدت بحسب الباحث الأطرش إلى إعادة بناء البنية الأمنية من خلال دمج الفصائل السابقة ضمن أطر مركزية أو حلفاء محليين موالين، والتسويات رسمت حدودًا واضحة بين ما يمكن للسلطة المركزية السماح به من نشاطات محلية وما هو خارج السيطرة، وبالتالي تحولت التسوية من حل مؤقت إلى أداة لإعادة ضبط النفوذ.


في الجهة الأخرى من الجبل، جاء خروج حسن الأطرش من السويداء ليضيف بعداً رمزياً، فالرجل يمثل امتداداً اجتماعيا وتاريخيا في البيئة الدرزية، ومغادرته قرأها البعض كخطوة تهدئة، فيما رآها آخرون إعادة ترتيب داخلية هادئة، لكن عند ربط الحدثين، تتضح الصورة أكثر فالجنوب بأكمله يدخل مرحلة إعادة ضبط، لا تقتصر على فصيل أو مدينة.


وفي هذا السياق يقول الباحث الأطرش: " الجنوب أصبح اليوم أكثر قدرة على التوافق مع استراتيجيات الدولة الشاملة، لكنه لا يزال يحتفظ بقدرة رمزية كبيرة عبر الفصائل والرموز المحلية حيث أن السويداء ودرعا كانتا مراكز رمزية للنفوذ الاجتماعي والقبلي وخروج الشخصيات الرمزية يعكس تحولات في السلطة الرمزية.


الشخصيات التقليدية مثل الزعماء المحليين أو رجالات الدين غالبا ما تتحكم في شبكة الولاءات المجتمعية، وخروجهم يشير إلى فتح المجال لقوى جديدة أكثر مرونة في الانخراط مع المركز، ويمكن اعتباره مؤشراً على تجهيز الجنوب لمرحلة أكثر رسمية في إعادة البناء السياسي والأمني، ويتابع بالقول: " الأمير الأطرش كان يمثل نموذج الزعيم المحلي القوي الذي يوازن بين النفوذ القبلي والمقاومة الوطنية، مع قدرة على التحرك المستقل عن المركز، أما العودة فيمثل مرحلة جديدة من إدارة النفوذ، حيث تتلازم القوة المحلية مع الالتزام بالمركزية، وتعكس تحول الجنوب من مساحة للتنافس إلى مساحة للتنسيق مع الدولة، ونستطيع القول أن الجنوب أصبح نموذجا حياً لكيفية إعادة دمج مناطق النزاع في الدولة، مع الحفاظ على بعض الديناميكيات المحلية الضرورية للقبول المجتمعي".


الجنوب السوري بأبعاد إقليمية


الجنوب ليس ساحة داخلية فقط، قربه من الحدود الأردنية والجولان يمنحه وزنًا إقليمياً دائماً، بالنسبة للأردن، الاستقرار أولوية مطلقة، وأي إعادة هيكلة تعزز ضبط الحدود تُعد مكسباً مباشرا بينما إسرائيل، فهي تنظر إلى الجنوب من زاوية أمنية بحتة، مفادها منع أي تموضع عسكري يهدد حدودها، وحتى الآن، لا معطيات علنية تثبت دوراً مباشراً لها في ملف العودة، لكن المؤكد أن كل تحرك في الجنوب يدخل ضمن حساباتها الدقيقة.


التوقيت بدوره ليس عابراً، الجنوب عاش سنوات على وقع الضمانة الروسية، ومع تبدل موازين القوى على الساحة السورية والتفاهمات بين دمشق وموسكو تراجعت قدرة هذا الغطاء على تثبيت المعادلة السابقة، وإعادة الهيكلة الحالية قد تكون محاولة لملء الفراغ قبل أن يتسع، ولمنع تشكل مراكز نفوذ بديلة في مرحلة انتقالية حساسة.


لكن إعادة الضبط الأمني لا تعني بالضرورة حلاً نهائيًا، الجنوب السوري بنية اجتماعية معقدة، عشائرية ومدنية، تتطلب توازنًا دقيقًا بين الحزم والاحتواء، فالتجارب السابقة أثبتت أن القبضة الأمنية وحدها لا تكفي، كما أن التسويات الفضفاضة تُبقي جذور الأزمة قائمة، التحدي اليوم هو إنتاج معادلة جديدة هي استقرار مؤسسي دون إقصاء اجتماعي.


وهنا يرى الباحث الأطرش أن السيطرة على الجنوب تقلل من مخاطر الصراعات العابرة للحدود أو ظهور مجموعات مسلحة مستقلة قد تؤثر على الدول المجاورة، ناهيك عن أن أي استقرار يسمح بعودة النشاط التجاري والزراعي، ويعيد الربط بين الجنوب والمناطق الداخلية، ما يخلق شبكات اقتصادية جديدة يمكن أن تؤثر على الاستراتيجيات الإقليمية، لذلك الجنوب أصبح مختبراً لكيفية تفاعل الدولة مع المجتمع المحلي بعد الصراع، وهو نموذج يمكن أن ينعكس على تحالفات إقليمية غير مباشرة.


ربما اقتربت نهاية مرحلة، لكن الحل الشامل يتطلب أكثر من إنهاء ظاهرة قائد أو إعادة انتشار أمني، الحل يتطلب إعادة بناء الثقة، وضبط السلاح، ودمج القوى المحلية ضمن مؤسسات واضحة المعالم، أي اختلال في هذا المسار قد يعيد التوتر بصيغة مختلفة، الجنوب اليوم يقف على مفترق تحوّل، فما يجري ليس تصفية حسابات، بل محاولة لإغلاق إرث سنوات من التسويات المؤقتة، ونجاح العملية سيُقاس بقدرتها على إنتاج استقرار طويل الأمد، لا بمجرد فرض السيطرة.


ويختتم الباحث الأطرش حديثه لموقع Syria one بالقول: " خروج الرموز التقليدية يفتح الباب لتغيير موازين القوى وإعادة توزيع النفوذ، التحولات الأمنية توفر استقرارا داخليا يؤثر بشكل غير مباشر على العلاقات الإقليمية والدولية، فتجربة الجنوب تمثل نموذجاً لإعادة بناء الدولة بعد النزاع، حيث يتكامل الأمن المحلي، المركزية، والاقتصاد في صياغة الاستقرار المستدام".


في النهاية، المسألة تتجاوز أسماء الأفراد، الجنوب السوري يُعاد رسمه بهدوء، بين ضرورات الداخل وحسابات الإقليم، والسؤال الذي سيحدد المسار المقبل هو هل تتحول إعادة الهيكلة إلى استقرار مستدام، أم تبقى مجرد إعادة توزيع مؤقتة للقوة في منطقة اعتادت أن تكون على حافة التحول الدائم؟


مقالات ذات صلة

ترامب: سنفتح مضيق هرمز قريباً بطريقة أو بأخرى

ترامب: سنفتح مضيق هرمز قريباً بطريقة أو بأخرى

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم السبت سنفتح مضيق هرمز قريباً بطريقة أو بأخرى
10
أمن المياه في الخليج.. الخاصرة الرخوة في الحرب الدائرة بالشرق الأوسط

أمن المياه في الخليج.. الخاصرة الرخوة في الحرب الدائرة بالشرق الأوسط

مع اتساع رقعة الحرب واحتمال انخراط دول الخليج المجاورة فيها، يرى بعض المحللين أن مورداً آخر أكثر هشاشة قد يتحول إلى نقطة ضعف خطيرة، وهو المياه
15
التايمز  بمانشيت عريض.. "هل هذه مجرد حرب خليجية؟ أم بداية حرب عالمية ثالثة؟

التايمز  بمانشيت عريض.. "هل هذه مجرد حرب خليجية؟ أم بداية حرب عالمية ثالثة؟

جاء مقال مميز للكاتب والمؤرخ نيال فيرغسون عبر التايمز  البريطانية بعنوان "هل هذه مجرد حرب خليجية؟ أم بداية حرب عالمية ثالثة؟"
152
مهددة بتكرار سيناريو غزة.. أكسيوس: إسرائيل تستعد لعملية برية واسعة في لبنان

مهددة بتكرار سيناريو غزة.. أكسيوس: إسرائيل تستعد لعملية برية واسعة في لبنان

تستعد إسرائيل لعملية برية واسعة في لبنان، مهددة بأن تفعل في الجنوب كما فعلت في غزة.
28
السورية للطيران: توفير خدمة نقل مجانية للمسافرين من دمشق إلى مطار حلب الدولي

السورية للطيران: توفير خدمة نقل مجانية للمسافرين من دمشق إلى مطار حلب الدولي

كشفت الخطوط الجوية السورية في بيان، عن توفير خدمة نقل مجانية من مدينة دمشق إلى مطار حلب الدولي للمسافرين المقيمين والذين لديهم تذاكر سفر صادرة عن الشركة حصراً من المطار إلى مختلف الوجهات الخارجية التي تُسيّرها السورية للطيران.
25
سيرياون إعلان 7