لا يقتصر فقدان المنزل بسبب النزوح على خسارة مكان السكن؛ فبالنسبة إلى النساء والفتيات في مراكز الإيواء، قد يعني ذلك أيضاً فقدان المساحة الخاصة والقدرة على عيش تفاصيل الحياة اليومية بعيداً عن أعين الآخرين.
ومع الاكتظاظ وضعف الإضاءة ونقص الخصوصية، قد يتحول المكان الذي يُفترض أن يوفر الحماية إلى مصدر للتوتر والقلق، حتى في غياب خطر مباشر.
وفي تحليل خاص لـSyria One، توضح الاستشارية النفسية والاجتماعية الدكتورة وفا حيمور أن الخصوصية ليست مجرد مساحة مادية، بل حاجة أساسية ترتبط بالأمان النفسي والحدود الشخصية والشعور بالسيطرة على الذات، وتشرح أن الإخلال باحتياجات الأمان، وفق تصور هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية، يمكن أن ينعكس على الحالة النفسية للإنسان عموماً.
وتشير حيمور إلى أن العيش في أماكن مكتظة، مثل المخيمات، يجعل تفاصيل حياة المرأة مكشوفة أمام الآخرين، ويحدّ من قدرتها على التحكم بمساحتها الخاصة، ومع استمرار هذه الظروف، قد تبقى في حالة يقظة نفسية دائمة، تظهر في القلق واضطرابات النوم والتوتر وسرعة الانفعال، وقد تصل إلى الانسحاب الاجتماعي أو الشعور بالعجز.
وتحذر حيمور من أن استمرار غياب الخصوصية قد يدفع المرأة إلى التكيف مع الوضع بطريقة تزيد العبء النفسي عليها؛ فبدلاً من التساؤل عما إذا كان المكان آمناً، قد ينحصر تفكيرها في كيفية تجنب لفت الانتباه. وبهذا، ينتقل العبء من البيئة المحيطة إلى المرأة نفسها، التي تصبح مطالبة بتعديل سلوكها لتفادي ما قد يثير القلق لديها.
ولا يتحدد الشعور بالأمان، بحسب حيمور، بمجرد تسمية المكان مركز إيواء، بل بالإشارات التي يستقبلها الجهاز العصبي من البيئة المحيطة، فضعف الإضاءة، والممرات المعتمة، واكتظاظ المكان، ودورات المياه غير الآمنة والضوضاء، قد تجعل البيئة أقل قابلية للتوقع، ما يزيد القلق والتأهب المستمر حتى في غياب خطر مباشر.
وتختلف تجربة الفتيات، ولا سيما المراهقات، وفق حيمور، نظراً إلى أهمية هذه المرحلة في بناء الهوية والاستقلالية والحدود الشخصية، وقد يؤدي تقييد الحرية وغياب الخصوصية إلى تراجع الثقة بالآخرين أو اللجوء إلى العزلة لحماية الذات، مع احتمال انعكاس هذه التجارب لاحقاً على السلوك والعلاقات الاجتماعية والتربوية.
لذلك، لا تقتصر حماية الفتيات في مراكز الإيواء على إبعاد الأخطار الخارجية، بل تشمل مراعاة احتياجاتهن النفسية أيضاً.
وتؤكد حيمور أن احتياجات النساء النازحات لا يمكن اختزالها في الماء والغذاء والسكن المؤقت؛ إذ تشمل أيضاً الأمان الجسدي، واستعادة الشعور بالسيطرة على الذات، والحصول على دعم نفسي واجتماعي، وإمكانية الوصول إلى خدمات متخصصة عند الحاجة، بما يساعدهن على استعادة توازنهن النفسي.






