فن

"مربط فرس".. محمد الدايخ يلخص وطناً ب 15 دقيقة

8
"مربط فرس".. محمد الدايخ يلخص وطناً ب 15 دقيقةمحمود عبد اللطيف

يختار محمد الدايخ غرفةً متهالكة تشبه لبنان من وجهة نظره، ليطرح مجموعة من الأسئلة الملحة في الواقع اللبناني خصوصاً، والعربي عموماً، والتي تبدأ من ضرورة الوقوف على تعريفات لـ: "الهوية – الوطن – الانتماء لهذا الوطن – المواطنة بحد ذاتها – المقاومة – المعتقد – آليات البقاء"، والأسباب الموجبة لكل من هذه التعريفات لفهم الحالة العامة لبلاد تبدو منقسمة على نفسها، ويزيد هذا الانقسام قسوةً في كل حرب.


تبدأ هذه التعريفات من المشهد العام للغرفة التي يدور فيها الحدث؛ متهالكة، معتمة، يستر من فيها أنفسهم ببعض القماش كستائر على الباب والنافذة، يسهل الدخول إليها بدون استئذان.


وقد تكون مقاربة رواد مواقع التواصل الاجتماعي بين المكان الذي اختاره الدايخ، والمكان الذي اختاره الليث حجو في مشاهد "ما في أمل" التي لعبها كل من بسام كوسا وفايز قزق غير موفقة، لجهة أن الليث اختار المكان لكونه الملاذ الآمن للحديث فيما لا يجب الحديث عنه ضمن حقبة الأسد، أما خيار الدايخ فكان مستنداً إلى مفهوم "الضيق" بكل معانيه التي يمكن أن يُبنى عليها عمل كامل من ثلاث حلقات، في أقل من 15 دقيقة تلفزيونية، ليقدم مجموعة من المفاهيم التي يجب أن تجعل من لبنان مكاناً يتسع لكل من فيه على الرغم من ضيقه جغرافياً.


الموجود في هذه الغرفة مضطر لخوض حالة من الصراع، وإن كان في مستواه "المنطوق"، ليدافع عن وجوده، ولا أسماء لشخصيات هذا العمل، بل تجسيد لحالات يعيشها لبنان، فتكون هذه الشخصيات التي بلا أسماء نائبةً عن مجتمعات لبنانية بأكملها.


في الحلقة الثانية، يعيد الدايخ تجسيد الصراعات الداخلية التي يعيشها الشعب اللبناني نتيجة المواقف السياسية المتضاربة لـ "أمراء الطوائف"، ويضع المشاهد العربي -المستهدف أساساً من "مربط الفرس"- أمام ما يعيشه اللبنانيون من انقسام بسبب فكرة الحرب مع إسرائيل، وكيف تُخلق التحالفات الضيقة على حساب الوطن والمواطنة، وكيف يمكن أن يتحول المعتقد الوطني إلى خط فصل قد يؤدي لتقسيم لبنان إلى دولتين.


لكن، هل سيكون سكان الجنوب راضين بأن يكونوا ضمن الجزء المهدد من لبنان دون أن يشعر بقية سكانه بخطورة وجود الجار التوسعي الذي بدأ بالسيطرة على منزل في حي ما، وقد ينتقل إلى محاولة السيطرة على كامل الحي؟ وكيف يضع بعض اللبنانيين خيار الخروج من هذه التعقيدات ببساطة "الهجرة" ليعيشوا مرتاحين بعيداً عن الحرب؟


وبذكر الحرب، يحاول الدايخ في "مربط الفرس" أن يقول لجمهوره بأن الحرب فُرضت على الجنوب، وأن خيارها لم يكن ترفاً سياسياً أو محاولة لإرضاء دولة ما أو حليف، بل إن اختفاء هؤلاء الحلفاء أساساً من الخارطة لن يعني توقف اتخاذ خيار الحرب مع إسرائيل لضمان أمن لبنان.


الحلقة الثالثة اختارها الدايخ لتكون مواجهة بين مواطن لبناني وقيادات الدولة التي تنسى أساساً أنها قيادة لدولة، وعليها أن تكون جزءاً من الحرب لصالح لبنان لا جزءاً من الحرب عليه.


وبتفاصيل بسيطة، مثل نوع التبغ الذي يدخنه المسؤول وحاجته الدائمة لمن يحميه، إضافة إلى حاجته المستمرة للدواء، يضع الدايخ الجمهور أمام توصيف حقيقي لمفهوم الدولة في لبنان، فهو مرتبط بالخارج فكراً وثقافة، وصولاً إلى اعتباره الخيارات الوطنية مضرة له فيرفضها، وحين يحاول أن يتخذ مثل هذه الخيارات يجدها غير مناسبة لمصالحه الشخصية، فالقيادات اللبنانية غير قادرة على الثبات إلا بمساعدة خارجية، وهي "دولة مريضة" بالمعنى الحرفي.


وفي لقطة ذكية للمسؤول، يُظهر الدايخ وجهة النظر الفوقية التي تحاول الدولة اللبنانية التعامل من خلالها مع مفهوم المقاومة، لتكون جملة "مقاوم بس مش مقاومة"، هي المفتاح الذي يريد من خلاله الدايخ -كاتباً ومخرجاً- أن يجعل المتلقي أمام المقاومة كمفهوم وطني لا كـ "انتماء حزبي أو عقائدي".


ثم يذهب نحو مواجهة الشعب كاملاً بوصفه بـ "شعب خيخة"، ويستخدم الكثير من الألفاظ النابية في وصف الدولة التي فقدت حتى السلاح للدفاع عن نفسها، هنا يحضر قول الشاعر العراقي مظفر النواب في رده على استخدامه الألفاظ البذئية في شعره "أنا بذيء كهزيمتكم، اغفروا لي حزني و خمري, و كلماتي القاسية, بعضكم سيقول: بذيئة، لا بأس, أروني موقفاً أكثر بذاءة مما نحن فيه".


ثم يطرح السؤال الأكبر الذي يقول "لماذا لا يقاتل الجيش اللبناني ويتحمل مسؤولياته كمؤسسة وطنية لحماية حدود البلاد؟" هذا المفهوم لا ينحصر في لبنان، بل هو مفهوم قابل للتطبيق في كل دول العالم التي تعيش تجربة مماثلة، حيث يتحول فيها الجيش من مؤسسة للدفاع عن البلاد إلى مؤسسة تدافع عن وجود السلطة، من خلال جعله الأداة التي تقمع أي تحرك شعبي مطلبي أو تحرري.


وحينما يطرح الدايخ مفهوم "رفض الحرب" كأسلوب لحماية البلاد من الاحتلال، يكون في مواجهة مباشرة مع منظومة الحكم في لبنان التي تقوم أساساً على تمجيد رؤساء الطوائف، وصولاً إلى الذروة في المشهد الأخير من "مربط الفرس"، من خلال المواجهة بين المواطن والدولة المحتمية بسلاح تبين أنه بلا ذخيرة؛ وكأن الدايخ يدعو لثورة في لبنان على المنظومة التي لا تملك أن تحمي نفسها لكي تحمي الشعب، منظومة مصرّة على أن تكون أجهزتها الأمنية والعسكرية غير قادرة على ممارسة دورها الوطني.


هذه المواجهة التي قرر الدايخ وفريقه من الممثلين (حسين قاووق، حسين الدايخ، محمد عبده) أن يخوضوها، قد تكون بداية لنهاية مسيرته الفنية التي تحقق نجاحاً لافتاً بسبب سقفها العالي، لكنها تبدو ضرورة في حسابات الدايخ الوطنية، فالمقاومة ليست فعلاً قائماً على حمل السلاح فحسب، وليست محصورة بالمواجهة مع إسرائيل، وإنما هي مقاومة ضد رواسب مجتمعية وسياسية وآلية حكم لبلد متهالك، يجب أن تنطلق ليتمكن اللبنانيون من العيش بكرامة على أرضهم.


ما يجعل من "مربط فرس" عملاً فنياً عبقرياً بمباشرته في الطرح.. ويبدو أن لبنان الذي خسر "زياد الرحباني"، كسب "محمد الدايخ".


مقالات ذات صلة

هل يدخل إبراهيم معلوف عازف البوق العالمي موسوعة غينيس؟

هل يدخل إبراهيم معلوف عازف البوق العالمي موسوعة غينيس؟

يستعد عازف البوق والمؤلف الموسيقي اللبناني العالمي، إبراهيم معلوف، لكتابة اسمه في موسوعة غينيس للأرقام القياسية
7
حسن الرداد يثير تفاعلا واسعا على السوشيال ميديا بحديث طريف

حسن الرداد يثير تفاعلا واسعا على السوشيال ميديا بحديث طريف

حقق الفنان المصري حسن الرداد تفاعلا واسعا على السوشيال ميديا عبر تصريحات إعلامية عن حياته الشخصية والزوجية، والألفة التي تجمعه مع زوجته الفنانة المتألقة إيمي سمير غانم
13
نجمة البوب بريتني سبيرز تتعالج بدعم ولديها

نجمة البوب بريتني سبيرز تتعالج بدعم ولديها

نقلت مجلة People، عن مصدر خاص أن الحالة النفسية لنجمة البوب بريتني سبيرز كانت مضطربة بعد حادثة القيادة تحت تأثير الكحول
18
إيما واتسون تكشف عن لحظات صعبة في سلسلة هاري بوتر

إيما واتسون تكشف عن لحظات صعبة في سلسلة هاري بوتر

كشفت الممثلة البريطانية إيما واتسون عن أبرز وأصعب اللحظات التي واجهتها خلال تصوير سلسلة أفلام هاري بوتر
19
ابنة الأديب العالمي نجيب محفوظ تنفي منح حقوق "اللص والكلاب" لعمرو سعد

ابنة الأديب العالمي نجيب محفوظ تنفي منح حقوق "اللص والكلاب" لعمرو سعد

نفت ابنة الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ منح حقوق رواية "اللص والكلاب" لعمرو سعد
189
سيرياون إعلان 7