إنه السرطان.. كلمة تقال فيصبح كل مابعدها ثقيلاً وخبيثاً.. ولكن، إذا كنت في سوريا فيصبح الوقع أثقل وأخبث وأشد، فأنت تعرف ما ينتظرك.. دواء مفقود.. تعقيم معدوم وجرعات تنازع.
في أكبر مركز حكومي مخصّص لعلاج الأورام، كشفت المقاطع المصوّرة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في الأسابيع الأخيرة، واقعاً مريراً لمرضى السرطان في سوريا.
مستشفى البيروني الذي يُفترض أن يقدّم العلاج مجاناً، يعاني اليوم من نقص حاد في الأدوية، غياب أجهزة التصوير، ضعف التعقيم، وحتى المستلزمات الأساسية مثل القسطرة الوريدية، ليجد المرضى أنفسهم أمام معركة غير متكافئة مع مرض لا ينتظر.
كابوس علاج
وسط هذا المشهد، تبرز قصة مها جمعة، 42 عاماً، أرملة وأم لطفلين وموظفة حكومية، ومحاربة سرطان لمرتين.
تقول مها لـ Syria One إن وضعها الصحي تغيّر بشكل كبير بعد توقف الجرعات في البيروني، وإن مسار علاجها لم يعد كما كان.
قبل عامين، كانت تتلقى علاجها في مشفى خاص، لكن مع تشخيص سرطان الثدي اضطرت للانتقال إلى البيروني بعد تحويلها من قبل طبيبتها المعالجة، حيث تلقت الجرعة الأولى مجاناً، لكن عند موعد الجرعة الثانية فوجئت بأن الدواء غير متوفر، واضطرت لشراء النوع الهندي بسعر مرتفع يفوق قدرتها إضافة لتأثيراته الجانبية السيئة، لأن الأنواع الأوروبية والتركية من الدواء، أسعارها بالدولار ما يجعلها خارج متناول معظم المرضى، إضافة لشرائها مضادات الإقياء التي تجاوز سعرها مئة ألف ليرة، وإبر المناعة بتكلفة 60 دولار للإبرة الواحدة.
تكاليف ثقيلة
لم تتوقف التكاليف عند ثمن الجرعة كما تبين مها، فالقسطرة، اللصاقات الطبية، أمبولات الحساسية، المعقمات، وحتى المناديل الورقية، كلها على حساب المريضة.
وتقول مها إنها تحمل معها من المنزل ما يلزم لتعقيم الكرسي والحمامات، لأن التعقيم في المشفى شبه غائب، مضيفة أن تكلفة صورة الطبقي أو الرنين تتراوح بين مليون ومليوني ليرة، وهو مبلغ لا يتناسب مع دخل أي موظف حكومي.
حتى الوصول إلى الجرعة في الوقت المحدد أصبح تحدياً، إذ تضطر لاستئجار سيارة خاصة للوصول إلى المشفى قبل الساعة الواحدة ظهراً، لأن المشفى يتوقف عن حلّ الجرعات بعد هذا الوقت، ما يزيد من إرهاقها الجسدي والنفسي.
راتب خبيث
راتب مها بعد الخصومات لا يتجاوز ستمئة ألف ليرة سورية، وهو مبلغ لا يغطي جزءاً بسيطاً من تكاليف العلاج، حيث تقول إنها تضطر للاستدانة أو بيع أغراض من منزلها لتأمين الجرعات والمستلزمات، مؤكدة أن هناك مرضى يحتاجون جرعة كل أسبوع، وآخرون كل واحد وعشرين يوماً، ما يجعل العبء المالي أكبر من قدرة أي أسرة.
كفاءة بلا إمكانيات
رغم كل الصعوبات، تشدد مها على أن الأطباء في البيروني من أكفأ الأطباء في سوريا، وأن الطاقم التمريضي يتعامل مع المرضى بإنسانية وصبر، لكنها ترى أن المشكلة ليست في الكادر الطبي، بل في غياب الدواء والتمويل، وبقرارات خارج قدرة الأطباء والتمريض، أما التعقيم، فتعتبره مسؤولية الإدارة، وليس الطاقم الطبي الذي يبذل جهده ضمن الإمكانيات المتاحة.
معارك نفسية
تصف مها حالتها النفسية بأنها سيئة للغاية، وتقول إن المرضى الذين تلتقي بهم يعيشون الشعور ذاته، الخوف من عدم القدرة على تأمين العلاج، الخوف من تدهور الحالة، والخوف من المستقبل.
وتشير مها إلى أن التأمين الصحي لا يغطي تكاليف علاجهم، وأنها اضطرت لإجراء عمل جراحي على حسابها الخاص بسبب غياب التعقيم في البيروني، كما تنتقد تعامل لجان فحص العاملين مع مرضى السرطان، وتقول إنهم لا يقدّرون الوضع الصحي ولا الإنساني، رغم أن مريضة سرطان الثدي تعاني غالباً من ضعف المناعة وصعوبة استخدام اليد بعد الاستئصال، وتحتاج لعناية صحية ونفسية خاصة.
محاربون بلا سلاح
مع كل ما تواجهه، تصرّ مها على أن المرضى يجب أن يُطلق عليهم "محاربو السرطان"، لأنهم يخوضون حرباً بكل معنى الكلمة، وتقول إنها تحلم فقط بالتعافي، والعودة إلى حياتها الطبيعية، وإلى أولادها، وأن يُنظر إلى معاناتهم النفسية قبل المادية، لأن المرض لا يرحم ولا يمنح وقتاً إضافياً.
رواية البيروني
في المقابل، يؤكد مدير مشفى البيروني أن المشفى سجّل اثني عشر ألف حالة سرطان جديدة خلال عام 2025، وأنه يحتاج إلى ستة وستين صنفاً من الأدوية، تم تأمين جزء منها، بينما يُنتظر وصول نحو عشرين صنفاً خلال أيام، مبيناً عدم وجود حالات متوقفة عن العلاج، وإن المشفى يعتمد بروتوكولات بديلة عند غياب الدواء، إلا أن دواء "هيرسبتين" الخاص بسرطان الثدي غير متوفر حالياً، لكن من المتوقع وصوله قريباً، كما يضيف أن التمويل غير كافٍ، وأن تقارير بالاحتياجات رُفعت إلى الجهات الحكومية
حقيقة واحدة
بين ما يقوله المرضى وما تقوله إدارة البيروني، تبقى الحقيقة المؤلمة واضحة..
المرض لا ينتظر، والسرطان لا يمنح وقتاً إضافياًً، وفي بلد يعيش أزمة اقتصادية خانقة، يصبح العلاج معركة ثقيلة، يخوضها المرضى بأجساد منهكة وجيوب فارغة، ليبقى الأمل معلّقاً على جرعة قد تصل.. وقد لا تصل.






