يعود مشروع خط النفط العراقي – السوري إلى الواجهة بوصفه أحد المشاريع الاستراتيجية المطروحة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، عبر نقل النفط العراقي إلى ميناء بانياس وتصديره إلى الأسواق العالمية.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن إنشاء خط جديد بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً قد يكلف نحو 15 مليار دولار، ويستغرق تنفيذه قرابة أربع سنوات.
لكن المشروع لا يقتصر على مد أنبوب بين البلدين، بل يتطلب بنية تحتية متكاملة، وجاهزية فنية وتشغيلية، إلى جانب ترتيبات تمويلية وقانونية قادرة على جذب المستثمرين وإدارة المخاطر.
خطين متوازيين بدلاً من خط واحد
وفي حديثه لـ Syria One، يرى الخبير النفطي المهندس موفق فتال، مؤسس ومدير عام شركة Techno Rig Group في دبي، أن إعادة تأهيل خط النفط القديم بين البلدين ليست خياراً عملياً أو اقتصادياً مناسباً لمشروع بهذا الحجم، نظراً إلى قدمه والأضرار التي تعرض لها خلال العقود الماضية، فضلاً عن التآكل والتلف المحتمل في أجزاء منه ومحطات الضخ التابعة له.
ويحذر من أن محاولة إحيائه قد تتحول إلى مشروع مكلف ومعقد، من دون ضمان الوصول إلى مستويات الموثوقية والسلامة والكفاءة المطلوبة لنقل كميات ضخمة من النفط لعقود مقبلة.
مرجحاً إنشاء منظومة جديدة قد تتكون من خطين متوازيين، وفق أحدث المواصفات الهندسية، مع دراسة خيار مد خطين متوازيين بطاقة اسمية تقارب مليون برميل يومياً لكل منهما، بما يوفر مرونة تشغيلية ويسمح بتنفيذ المشروع على مراحل.
حيث يوفر هذا التصميم مرونة أكبر في التشغيل والصيانة، إذ يسمح باستمرار العمل عبر أحد الخطين عند توقف الآخر، مع انخفاض الطاقة المتاحة خلال فترة التوقف ما لم تتوفر قدرة احتياطية إضافية.
كما يتيح تنفيذ المشروع على مراحل، والبدء بتشغيل الخط الأول قبل استكمال الثاني وفقاً للطلب والجدوى الاقتصادية.
التحدي الأساسي ليس في توفير التمويل!
ويشدد فتال على ضرورة إعادة دراسة المسار بالكامل، وعدم التقيد بالمسار التاريخي للأنبوب القديم، نظراً إلى التغيرات العمرانية والأمنية والفنية التي شهدتها المناطق التي يمر بها، مع مراعاة مخاطر الاستهداف والحماية والمراقبة والصيانة.
أما عن تكلفة الـ 15 مليار دولار، فيعتبرها تقديراً أولياً يحتاج إلى دراسة جدوى تفصيلية، إذ تتأثر التكلفة بعدد الخطوط وأقطارها ومساراتها والمرافق المرتبطة بها.
واعتبر فتال أن التحدي الأساسي لا يتمثل في قدرة سوريا على تمويل المشروع من ميزانيتها، بل في توفير إطار قانوني وتعاقدي وتشغيلي يضمن جاذبية الاستثمار ويحمي حقوق جميع الأطراف.
موضحاً أن الوضع القانوني للعقوبات شهد تطورات خلال عامي 2025 و2026، مع رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية الشاملة وإلغاء قانون قيصر ورفع معظم العقوبات الاقتصادية الأوروبية، مع استمرار بعض القيود المحددة.
لكن رفع العقوبات لا يعني انتهاء التحديات المصرفية والتأمينية، إذ تحتاج المؤسسات المالية وشركات التأمين والمستثمرون الدوليون إلى استعادة الثقة بالسوق السورية.
وبما أن المشروع يستهدف أساساً نقل النفط العراقي وتصديره، يمكن تمويله عبر اتفاقيات طويلة الأجل وشراكات مع شركات دولية متخصصة، أو من خلال إنشاء شركة مشتركة، أو اعتماد نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية.
وفي المقابل، يمكن أن تحقق سوريا عوائد من رسوم عبور النفط وخدمات التخزين والتصدير وتشغيل المرافق، فضلاً عن فرص العمل والخدمات الهندسية والصناعية المرتبطة بالمشروع.
البنية التحتية السورية غير جاهزة
وحول جاهزية البنية التحتية السورية وميناء بانياس لاستيعاب مليوني برميل يومياً، أكد الخبير النفطي أن البنية التحتية الحالية في سوريا لا يمكن اعتبارها جاهزة تلقائياً لاستقبال وتصدير هذه الكميات، مشيراً إلى أن المشروع يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل خطوط النقل ومحطات الضخ وأنظمة التحكم والمراقبة وكشف التسرب والحماية من التآكل، إضافة إلى خزانات التخزين ومحطات القياس ومرافق التحميل البحري.
كما يحتاج ميناء بانياس تحديداً إلى دراسة هندسية لتقييم قدرته الحالية ومتطلبات تطويره، بما يشمل سعة الخزانات ومرافق التحميل والأعماق البحرية وقدرته على استقبال ناقلات النفط، فضلاً عن أنظمة مكافحة الحرائق وحماية البيئة والاستجابة للطوارئ، بالإضافة إلى ضرورة تقييم قدرة البنية التحتية الكهربائية والخدمية على دعم التشغيل المستمر.
بناء المرافق اللازمة هو التحدي الأصعب
ولفت الخبير إلى الفارق الكبير بين نقل النفط بالصهاريج ونقله عبر الأنابيب، موضحاً أن مليوني برميل يومياً تعادل نحو 318 ألف متر مكعب، ونقل هذه الكمية بالصهاريج، إذا كانت سعة الواحد منها 30 متراً مكعباً، يتطلب أكثر من 10 آلاف حمولة يومياً، لذلك، فإن خطوط الأنابيب تبقى الخيار الأكثر ملاءمة لنقل هذه الكميات بصورة مستمرة.
موضحاً بأن التحدي ليس في إمكانية تصميم خط بهذه الطاقة، بل في بناء وتأهيل المرافق اللازمة للوصول إلى القدرة التشغيلية المطلوبة، معتبراً أن التنفيذ المرحلي واعتماد خطين متوازيين قد يساعدان على تطوير القدرة التشغيلية تدريجياً واختبار المرافق قبل بلوغ الطاقة الكاملة.
أما فيما يتعلق بإمكانية المشروع لجذب الشركات الدولية للاستثمار فيه رغم المخاطر، بيّن الخبير النفطي موفق فتال بأن قرارات الشركات الدولية لا تعتمد على الوضع الأمني والسياسي وحده، بل ترتبط بالجدوى الاقتصادية وحجم الطلب على خدمات النقل والالتزامات التعاقدية طويلة الأجل والعائد المتوقع، إضافة إلى القدرة على إدارة المخاطر.
المشروع يتطلب اتفاقيات طويلة الأجل
ويمنح المشروع - بحسب الخبير- العراق منفذاً إضافياً لتصدير النفط عبر البحر الأبيض المتوسط، بما يسهم في تنويع مسارات التصدير وتقليل الاعتماد على منفذ جغرافي واحد، وهي ميزة استراتيجية قد تتجاوز عوائد رسوم النقل المباشرة.
منوهاً إلى وجود مؤشرات اهتمام من شركات ومجموعات دولية بالمشاركة في الدراسات الفنية والمالية، لكنه يميز بين إبداء الاهتمام أو توقيع مذكرات تفاهم وبين الوصول إلى قرار استثماري نهائي وتأمين التمويل اللازم.
حيث أن ضمان نجاح المشروع يتطلب اتفاقيات طويلة الأجل تحدد كميات النفط العراقي المنقولة عبر الخط، بما يسمح بتقدير الإيرادات المستقبلية وتقييم الجدوى الاستثمارية، إلى جانب توزيع المخاطر بين الحكومتين والشركات المشغلة والمستثمرين وشركات التأمين.
كما أن تنفيذ المشروع على مراحل من شأنه توزيع الإنفاق الرأسمالي وربطه بالتقدم الفعلي في الإنشاء والطلب على الطاقة الاستيعابية.
جدوى اقتصادية لجدب المستثمر
وفي شرحه لإمكانيات نجاح مشروع بهذا الحجم، أوضح فتال إلى أنه لا يقتصر على استيراد المعدات والاستعانة بالشركات الأجنبية، بل يجب أن يترافق مع برنامج لتأهيل الكفاءات الهندسية والفنية السورية وإشراك الشركات الوطنية في أعمال الإنشاء والفحص واللحام والصيانة والتشغيل والخدمات المساندة.
كون القيمة الحقيقية للمشاريع الاستراتيجية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات، وإنما أيضاً بما تتركه من خبرات وقدرات صناعية وبشرية مستدامة.
ختاماً قال الخبير النفطي موفق فتال: إن المستثمر لا يبحث بالضرورة عن مشروع خالٍ من المخاطر، بل عن مشروع ذي جدوى اقتصادية واضحة ومخاطر قابلة للتقييم والإدارة، ضمن إطار تعاقدي يضمن حقوق جميع الأطراف.
إقرأ أيضا.. العراق بصدد زيادة صادراته النفطية عبر سوريا وتركيا






