يشهد الاقتصاد الوطني تحديات متجددة مع كل هزة أمنية أو سياسية تتعرض لها الشرايين الحدودية الحيوية، وحين يتعرض شريان بحجم معبر نصيب لإغلاق فجائي ثم إعادة افتتاح، تتكشف بوضوح هشاشة سلاسل الإمداد وتبعات ذلك على حركة التجارة والإنتاج. وفي هذا الحوار الخاص الذي يجريه Syria One مع أ.محمد حلاق (نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية)، يتم تفكيك التداعيات الاقتصادية والمالية لإغلاق المعبر، ومساوئ تكرار هذه الأزمات على تنافسية المنتجات، والخيارات البديلة المتاحة أمام صانع القرار.
إغلاق فجائي وشلل مالي
يرفض نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية حصر الخسائر الاقتصادية في أرقام تقديرية ظاهرة، مؤكداً أن الأثر الأعمق يكمن في توقف خطوط الإنتاج كاملة لتعذر وصول المواد الأولية الحيوية للصناعة في مواقيتها المحددة. مبيناً أن الغموض المحيط بمدى فترة الإغلاق في كل مرة يمثل التحدي الأكبر الذي يربك حسابات الفاعلين الاقتصاديين ويجعل استشراف حجم الخسائر أمراً عسير الإحاطة، لاسيما أن القضية تتجاوز البعد التجاري البحت لتضرب عمق الالتزامات المالية والتعاقدية، ويمتد هذا الإرباك ليشمل تأخر تسليم وثائق الشحن والمستندات البنكية لتسوية الدفعات، مما يخلق حالة من الشلل المؤقت في دورة الإنتاج ويرفع الأسعار محلياً لتأمين البدائل.
مخاطر تلف البضائع
تتجسد الأهمية المطلقة لمعبر نصيب في كونه المنفذ البري الأبرز لصادرات السلع الزراعية والصناعية نحو الأسواق العربية، فضلاً عن كونه ممراً حيوياً للمستوردات القادمة عبر ميناء العقبة والتي تشكل خياراً أسرع وأوفر مقارنة بالمرافق البحرية الأخرى، ونتيجة لهذه الخصوصية بحسب حلاق فإن أي انقطاع في عمل المعبر يعرض البضائع سريعة التلف لمخاطر التلف الفعلي أو اضطراب الجداول الزمنية، مما يدفع المصدرين إلى تكبد فواتير أعلى واستعادة البضائع بحذر شديد تحسباً لضياع مدد الصلاحية، وهو ما يضع ضغطاً مضاعفاً على قطاع الأعمال والحكومة لجهة تحصيل الإيرادات وضمان انسيابية السلع.
تداعيات الشلل الخدمي
يقول حلاق لـ Syria One إن وجود هامش للمخاطر المتوقعة يعد أمراً طبيعياً ومحسوباً في أي عمل تجاري أو صناعي أو سياحي، حيث تتدخل آليات إدارة المخاطر للتعامل مع التباينات المعتادة في النقل والتوريد، إلا أن الإغلاقات الاستثنائية تفرض واقعاً مختلفاً يمتد تأثيره ليشمل القطاع الخدمي وحركة الأفراد والمركبات السياحية والوفود الرسمية والدينية المتجهة نحو الديار المقدسة، حيث تتسبب هذه الاختناقات في إلغاء حجوزات ومؤتمرات ومعارض هامة، مخلّفة خسائر فادحة وخارجة عن الإرادة تضر بالجميع ولا تحقق فائدة لأي طرف.
التحصين الاستباقي
وفيما يتعلق بالخيارات والبدائل المتاحة أمام صانع القرار الاقتصادي لتخفيف حدة هذه الصدمات، يقر نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية بوجود تحديات هيكلية تحول دون توفر منافذ برية بديلة تضاهي كفاءة معبر نصيب، مما يجعل وجهة التركيز الأساسية منصرفة نحو تطوير خطط طوارئ استباقية ترفع مستوى الجاهزية للتعامل مع أي طارئ محتمل، وتقتضي هذه الخطط البديلة قبول ارتفاع طفيف في التكاليف التشغيلية مقابل ضمان الحد الأدنى من استمرار الأعمال وتقليل المخاطر عند حدوث أي أزمات مفاجئة.
وفي ختام القراءة التحليلية، يشدد حلاق على أن القدر الكبير الذي يمثله معبر نصيب في معادلة الحركة التجارية يفرض بالضرورة منحه أولوية قصوى في الرعاية والتيسير والحماية الدائمة، باعتباره الركيزة الأساسية التي تكفل استمرارية تدفق البضائع الوطنية نحو الأسواق الإقليمية وتأمين الاحتياجات الحيوية للبلاد، وهو ما يجعل من تحصين هذا الشريان الحيوي ضرورة اقتصادية لا غنى عنها لضمان استقرار الأسواق واستدامة النمو.






