في خطوة تعكس تطوراً نوعياً في مسار التعاون الاقتصادي الدولي، عقد وزير المالية محمد يسر برنية، وحاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان، اجتماعاً مشتركاً مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، وذلك على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026، المنعقدة في العاصمة التايلاندية بانكوك. وفي خطوة تعد الأبرز ضمن اللقاء، تم بحث التوجه الجاد لمجموعة البنك الدولي نحو افتتاح مكتب رسمي لها في العاصمة السورية دمشق مطلع العام ٢٠٢٧ شهر كانون الثاني/يناير المقبل.
وفي قراءة حول أهمية التعاون بين البنك الدولي وسوريا قال الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي جاموس لـ Syria One:
هذا التواجد المؤسسي المباشر، بعد سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية القاسية، يُقرأ في الوقت الراهن بوصفه الخطوة الأخيرة والختامية ضمن مسار الاحتضان الدولي للملف الاقتصادي السوري.
وكان البنك الدولي حاضراً خلال المرحلة الماضية عبر خدمات الاستشارة والتخطيط، إلى جانب تمويل مشاريع حيوية تجاوزت قيمتها 500 مليون دولار في قطاعات الصحة والتعليم والطاقة. وأشار جاموس إلى أن الانتقال نحو تثبيت حضور دائم على الأرض يتجاوز أبعاد الدعم المالي المباشر ليحمل دلالات استراتيجية أخرى.
كسر العزلة واستعادة الثقة
يضيف الدكتور أن تحول البنك الدولي من المتابعة عن بُعد إلى العمل المباشر يبعث برسائل تطمين للمؤسسات المالية العالمية. فعلى الرغم من رفع العقوبات رسمياً، ما زال القطاع المالي السوري يعاني من آثار العزلة الاقتصادية، حيث تتخوف البنوك الناقلة وشركات التحويل الدولية من استئناف التعاملات المباشرة.
وأكد أن هذا الحضور المؤسسي للبنك الذي يضم 189 دولة وينتشر في أكثر من 130 دولة يُسهم بفاعلية في كسر الجليد بين الجهاز المصرفي المحلي والقطاع المالي الدولي، وإرساء انطباع بوجود بيئة مشجعة لترصيف أرضية التعافي الاقتصادي وجذب الاستثمارات.
أولوية القطاع المالي وفجوة الرؤية الاقتصادية
ورغم أن برامج البنك الدولي تركز عادة على قطاعات البنية التحتية كالكهرباء والنقل والصحة والتعليم، يرى الخبير الاقتصادي خلال حديثه لـ Syria One أن الأولوية القصوى للملف السوري تكمن في إنعاش القطاع المالي والبنك المركزي، فالجمود الحاد الناتج عن سياسات حبس السيولة وضعف الإيداعات، يفرض ضرورة وجود جهاز مصرفي قوي قادر على تقديم القروض ودفع عجلة الإنتاج.
وفي هذا السياق، أوضح جاموس وجود تضارب في الرؤية الاقتصادية لدى الحكومة الحالية يتعلق بالتحفظ على طبيعة القروض والودائع الدولية والجدل القائم حول القروض الربوية والإسلامية، وهو ما يقتضي البحث عن صيغ تمويل أو منح متوافقة تدعم المصرف المركزي وتنقذ القطاع المالي من حالة الموت السريري، ليكون شريكاً في عملية التنمية.
وأضاف د.مجدي أنه رغم وجود خطط مستقبليّة للبنك الدولي تتضمن منحاً بنيوية في قطاعي التعليم والصحة بحدود مليار دولار، يظل تدعيم القطاع المالي والسيولة المحرك الأساسي لأي بيئة استثمارية جاذبة.
انعكاسات غير مباشرة على أسعار الصرف والتضخم
على الصعيد النقدي، لفت جاموس إلى أن البنك الدولي لا يتدخل مباشرة في إدارة السياسات النقدية، لكن وجوده يمنح طمأنينة تشجع دخول الشركات الكبرى وشركات التمويل الدولية. ومع بدء تنفيذ هذه الشركات لمشاريعها داخل السوق السورية، يرتفع الطلب على الليرة السورية لتغطية النفقات والاستثمارات المحلية، وهو ما قد ينعكس في تحقيق قدر من الاستقرار في سعر الصرف، والتخفيف من الضغوط التضخمية نسبياً، بالإضافة إلى تحسين القوة الشرائية للعملة الوطنية على المدى المتوسط.
وشدد جاموس على أن هذا المسار يظل مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على توفير بيئة تشريعية وأمنية مستقرة، وتخفيض حدة المخاطر الإقليمية والجيوسياسية.
الشروط التقنية ومقتضيات الشفافية
ولتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الشراكة، تبرز عقبات متصلة بالبيئة التشريعية والتكنولوجية؛ إذ يرى جاموس أن البلاد تعاني من ضعف الخدمات الرقمية والانقطاعات المتكررة، إلى جانب تدني معايير الحوكمة والرقابة المصرفية. ولضمان تدفق المنح، أكد الخبير وجوب رفع المعايير الوطنية لتتوافق مع الاشتراطات الدولية، وبينَّ أن فرق البنك الدولي المتخصصة قطاعياً تفرض مستويات أعلى من الإفصاح والرقابة المباشرة على أساليب الإنفاق، مما يجعل استمرار الدعم مرهوناً بمدى تجاوب الحكومة مع متطلبات الشفافية الدولية.
واقعية التوقعات بشأن المعيشة
وبعيداً عن الإفراط في التفاؤل، أشار جاموس إلى أن فتح مكتب للبنك الدولي لن يؤدي إلى حلول سحرية وسريعة للأزمات المعيشية اليومية، إذ يبقى الأثر محدداً وفي أطر مرحلية.
ورغم أن المشاريع المتوقعة بقيمة مليار دولار والتي يُشترط تنفيذها عبر شركات وكوادر سورية ستوفر فرص عمل وتخفف من معدلات البطالة، إلا أن الفجوة الواسعة بين الواقع الصعب والآمال المرجوة تتطلب استراتيجية وطنية شاملة تعتمد على بناء اقتصاد إنتاجي من القاعدة، لتكون مساهمات البنك الدولي عاملاً مسانداً ومحفزاً لا بديلاً عن الإصلاح الهيكلي.






