يفتح التعاون بين السلطات السورية الجديدة والمؤسسات الدولية في ملف الأسلحة الكيميائية الباب أمام مرحلة جديدة من التحقيق في الهجمات التي شهدتها سوريا خلال سنوات حكم النظام البائد، وسط تحديات قانونية وسياسية تتعلق بملاحقة المسؤولين وتحويل الأدلة الموثقة إلى محاكمات فعلية.
ويرى الباحث والمحلل السياسي ميلاد الأطرش، في تحليل خاص لـSyria One، أن نجاح هذا المسار يتوقف على بناء ملفات قضائية تحدد المسؤوليات الفردية، وتربط الأدلة بالأشخاص المشتبه بتورطهم، مؤكداً أن إثبات وقوع هجوم كيميائي لا يكفي وحده لإدانة شخص بعينه، ما لم تدعمه أدلة موثوقة وإجراءات تضمن المحاكمة العادلة.
توثيق الهجمات لا يعني حسم المسؤولية
شهد ملف الأسلحة الكيميائية تطورات خلال عام 2026، من بينها إعلان منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في 22 كانون الثاني، نتائج تحقيق خلص إلى وجود أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن القوات الجوية التابعة للنظام البائد كانت مسؤولة عن هجوم كيميائي استهدف كفر زيتا بريف حماة في الأول من تشرين الأول 2016.
وأشارت المنظمة إلى تعاون السلطات السورية الجديدة مع فريق التحقيق، بما في ذلك إتاحة الوصول إلى معلومات ووثائق ذات صلة.
ويشير الأطرش إلى أن هذه التطورات تتيح فرصة لتعزيز الأدلة وتوسيع التحقيقات، لكنها لا تعني حسم المسؤولية الجنائية الفردية أو أن المحاكمات باتت وشيكة، ويتطلب الانتقال إلى المساءلة حفظ الأدلة والتحقق من مصادرها وسلامة تداولها، ومقارنتها بشهادات الناجين والوثائق العسكرية وسلاسل القيادة، فضلاً عن حماية الشهود من التهديد والضغط.
ما المسارات القانونية المتاحة أمام دمشق؟
يؤكد الأطرش أن ملاحقة المسؤولين لا ينبغي أن ترتبط بجهة قضائية واحدة، بل يمكن أن تشمل تطوير قدرة القضاء السوري على التحقيق والمحاكمة، والتعاون مع محاكم وطنية في دول أخرى تسمح قوانينها بملاحقة بعض الجرائم الدولية المرتكبة خارج أراضيها، كما حدث في ألمانيا وفرنسا بشأن جرائم ارتُكبت خلال الحرب السورية.
أما المحكمة الجنائية الدولية، فإن اختصاصها ليس تلقائياً، لأن سوريا ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، ويمكن إحالة الوضع السوري إليها بقرار من مجلس الأمن، لكن هذا المسار واجه عقبة سياسية عام 2014 عندما أُحبط مشروع الإحالة باستخدام حق النقض.
ملاحقة المسؤولين بين القانون والسياسة
وتزداد التحديات عندما يكون المشتبه بتورطهم خارج سوريا، ولا سيما في دول تختلف معها دمشق في المصالح السياسية. ويوضح الأطرش أن ملاحقتهم تتطلب طلبات قضائية رسمية وأدلة متماسكة وتعاوناً بين الدول، مشيراً إلى أن صدور مذكرة توقيف لا يضمن تسليم المطلوب، إذ يخضع ذلك للقوانين الوطنية والاتفاقيات المعمول بها.
ويشدد على ضرورة الجمع بين العمل القضائي والدبلوماسي، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، بمن فيهم من أصدروا الأوامر أو خططوا للجرائم أو ساهموا فيها، وفق الأدلة والشروط القانونية.
المحاسبة واستعادة الثقة الدولية
ويعتبر الأطرش أن التعاون في ملف الأسلحة الكيميائية قد يساعد سوريا على استعادة الثقة الدولية، لكنه لا يضمن مكاسب سياسية تلقائية، ما لم يترافق مع الشفافية وتسهيل التحقيقات والكشف عن المواد والمنشآت غير المعلنة والتحقق من مصير المخزونات السابقة.
كما يميز بين دور منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الفني والتحقيقي، ودور المحاكم المختصة بمحاسبة الأفراد، مؤكداً أن التقدم في التحقق من الأسلحة لا يغني عن الملاحقة القضائية.
ولا تقتصر العدالة الانتقالية، وفق الأطرش، على معاقبة المسؤولين، بل تشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر والتعويض حيثما توافرت الشروط القانونية، وضمان حقوق الضحايا والدفاع، وتجنب الانتقائية والانتقام، ويتطلب منع تكرار الجرائم أيضاً تعزيز الرقابة على المواد ذات الصلة وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية خاضعة للقانون.
ويخلص الأطرش إلى أن نجاح سوريا في هذا الملف لن يُقاس بعدد التقارير والاجتماعات الدولية، بل بقدرتها على تحويل الأدلة إلى إجراءات قضائية فعالة، وضمان ألا تتحول الحدود أو التحالفات السياسية إلى وسيلة للإفلات من العقاب.






