عندما نقلّب أيّام شهر نوفمبر / تشرين الثاني سنجد ثلاثين يوماً تختصر حكايات قرون؛ مشاهير وُلدوا وآخرون رحلوا، وفنّانون ومفكّرون وعلماء تركوا بصماتهم في ذاكرة العالم، إلى جانب أحداث غريبة ومفصليّة لم تكن جميعها عاديّة أو متوقعة. فمن سقوط نيزك في حقل قمح فرنسي قبل أكثر من خمسة قرون، إلى اغتيال رئيس أميركي، وانتخاب أوّل امرأة في الكونغرس، وإطلاق مركبات فضائيّة نحو كواكب أخرى، إذ يبدو تشرين الثاني / نوفمبر وكأنه شهر قرر الجمع في أيّامه حكايات من كلّ الأزمنة والعوالم.
ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه في أجندة هذا الشهر تلك المصادفات التي تجمع الميلاد بالرحيل، وتضع أسماء من عوالم متباعدة في صفحات تقويمٍ واحدٍ، من الصبّوحة إلى ماري كوري، ومن أسمهان وفيروز إلى مارادونا وتولستوي.
الصبّوحة.. وُلدت ورحلت في نوفمبر
من المصادفات اللافتة أن الفنّانة اللبنانيّة صباح، المعروفة بـ"الصبّوحة" و"الشحرورة"، وُلدت في 10 تشرين الثاني العام 1927، ورحلت في 26 تشرين الثاني العام 2014، أي إن الشهر الذي شهد ميلادها احتفظ أيضاً بموعد رحيلها، بعد مسيرة فنّيّة امتدّت لعقود.
جانيت جرجس فغالي، الاسم الحقيقي لصباح، ظاهرة فنّيّة استثنائيّة جمعت الغناء والسينما والاستعراض، وعُرفت بقدرتها على التجدد والحضور المختلف، حتّى أصبحت واحدة من أبرز نجمات الفنّ العربي.
وفي نوفمبر أيضاً، وتحديداً في الثاني منه العام 2021، رحل المطرب السوري صباح فخري، أحد أهمّ حراس التراث الغنائي العربي، وصاحب المدّرسة الطربيّة التي أعادت إحياء القدود الحلبيّة والموشّحات، وقدّمها إلى جمهور واسع داخل سورية وخارجها.
وهكذا يجتمع اسمان كبيران ارتبطا بالصباح اسماً وفنّاً، وإن اختلفت تجربتاهما، في شهرٍ واحدٍ من ذاكرة الموسيقى العربيّة.
أسمهان وفيروز.. صوتان من نوفمبر
وُلدت فيروز في 21 تشرين الثاني العام 1935، إحدى أبرز أيقونات الغناء العربي، وفي 25 تشرين الثاني العام 1912 وُلدت أسمهان، صاحبة الصوت الاستثنائي والحياة القصيرة التي انتهت في حادث غامض العام 1944.
بين أسمهان وفيروز مسافة زمنيّة تتجاوز عقدين، لكن جمعهما في أجندة نوفمبر يفتح باباً للحديث عن صوتين مختلفين في التجربة والظروف والامتداد الفنّي.
أسمهان، التي حملت اسم آمال الأطرش، وُلدت في عائلة سوريّة، وانتقلت طفلة إلى مصر، حيث أصبحت واحدة من الأصوات التي تركت أثراً عميقاً في الموسيقى العربيّة، قبل أن تنتهي حياتها مبكراً في حادث سيارة أثار الكثير من الأسئلة.
أمّا فيروز، فقد استطاعت بناء عالم غنائي متكامل، وأن تصبح صوتاً ارتبط بلبنان وبالوجدان العربي، من خلال تجربتها مع الأخوين رحباني، ثمّ تعاوناتها الفنّيّة اللاحقة.
صوتان من زمانين مختلفين، جمعهما نوفمبر، وبقي لكلّ منهما مكانه الخاصّ في الذاكرة.
سوريا حاضرة في ذاكرة نوفمبر
لا تقتصر حكايات هذا الشهر على الأسماء العالميّة والعربيّة الشهيرة، إذ تحمل الأجندة حضوراً سوريّاً لافتاً في الفنّ والأدب والثقافة.
ففي 23 تشرين الثاني العام 1941 وُلد الكاتب والشاعر والمسرحي السوري ممدوح عدوان، الذي ترك إرثاً متنوّعاً في الشعر والمسرح والرواية والترجمة، وكان من الأصوات الثقافيّة التي امتلكت موقفاً نقديّاً واضحاً من المجتمع والسياسة والإنسان.
وفي 6 تشرين الثاني العام 1939 وُلد الفنّان السوري خالد تاجا، الذي استحقّ عن جدارة لقب "أنطوني كوين العرب"، بفضل حضوره التمثيلي اللافت وقدرته على أداء الشخصيّات المركبة، تاركاً بصمة يصعب تجاوزها في الدراما السوريّة.
وفي 25 تشرين الثاني العام 1946 وُلدت الفنانة سامية الجزائري، إحدى أبرز الوجوه الكوميديّة السوريّة، التي صنعت حضوراً جماهيريّاً واسعاً عبر أدوار امتدّت من الأعمال الاجتماعيّة إلى الكوميديا.
كما شهد الشهر ولادة الفنّانة نجاح حفيظ في 5 تشرين الثاني العام 1941، والفنّانة سوزان نجم الدين في 24 تشرين الثاني العام 1966، والمخرج نجدة أنزور في 26 تشرين الثاني العام 1954، إلى جانب أسماء أخرى ساهمت في تشكيل المشهد الفنّي والثقافي السوري.
ومن الأسماء اللبنانيّة التي وُلدت في هذا الشهر أيضاً الفنّان وديع الصافي في الأوّل من تشرين الثاني العام 1921، وهو أحد أبرز الأصوات التي عرفتها الأغنية اللبنانيّة والعربيّة، والفنّان وائل جسار في 22 منه، والقائمة تطول؛ ويبدو أنها لا تنتهي.
حين سقط حجر من السماء في حقل قمح!
ومن أغرب الحكايات التي يحملها نوفمبر قصّة نيزك أنسيشيم، الذي سقط في 16 تشرين الثاني العام 1492، في حقل قمح قرب بلدة أنسيشيم في منطقة الألزاس الفرنسيّة.
المشهد ليس عادياً بالنسبة إلى سكان المنطقة، خاصّةً في ذلك الزمن؛ إذ شاهد الناس حجراً ضخماً يهوي من السماء، في وقتٍ لم تكن فيه المعرفة العلميّة قد فسّرت بصورةٍ واضحةٍ مصدر هذه الأجسام أو طبيعتها.
وكالعادة؛ بدلاً من التعامل معه بوصفه جسماً فضائيّاً، نظر كثيرون إليه باعتباره إشارة سماويّة، بل إن بعضهم أخذ أجزاء منه كتذكارات، وارتبط سقوطه بتفسيراتٍ دينيّة وخرافيّة.
واللافت أن هذا النيزك أصبح لاحقاً واحداً من أشهر النيازك في التاريخ، إذ يُعد أقدم سقوط نيزكي موثّق في العالم الغربي احتُفظ بعيّنات منه حتّى اليوم.
حكاية تبدو أقرب إلى الأساطير، لكنّها حدثت بالفعل، وتذكرنا بأن معرفتنا اليوم عن الفضاء بدأت من دهشة الإنسان أمام السماء.
نوفمبر الذي فتح أبواباً جديدة أمام النساء
في السابع من تشرين الثاني العام 1916، انتُخبت الأميركيّة جانيت رانكين عضواً في مجلس النواب الأميركي، لتصبح أوّل امرأة تصل إلى الكونغرس في تاريخ الولايات المتّحدة.
كان ذلك حدثاً مفصليّاً في مسيرة مشاركة النساء في الحياة السياسيّة، خصوصاً أن العالم كان لا يزال يعيش مرحلة لم تكن فيها المساواة السياسيّة أمراً مسلّماً به.
وبعدها بعقود، وتحديداً في 7 تشرين الثاني 1990، انتُخبت ماري روبنسون رئيسة لأيرلندا، لتصبح أوّل امرأة تتولّى هذا المنصب في البلاد.
أمّا في 7 تشرين الثاني 1867، فقد وُلدت العالمة البولنديّة الفرنسيّة ماري كوري، التي أصبحت أوّل امرأة تفوز بجائزة نوبّل، والوحيدة التي حصلت عليها في مجالين علميين مختلفين، الفيزياء والكيمياء.
ارتبط اسمها باكتشاف الراديوم والبولونيوم وأبحاث النشاط الإشعاعي، وأصبحت واحدة من أهمّ الشخصيّات العلميّة في التاريخ الحديث.
ومن المصادفات أن يوم ميلادها أصبح مناسبة سنويّة للاحتفال باليوم العالمي للفيزياء الطبيّة، تقديراً لإسهاماتها العلميّة.
من اغتيال كينيدي إلى رحلات الفضاء
يحمل نوفمبر أيضاً أحداثاً سياسيّة وعلمية غيّرت مسارات التاريخ. ففي 22 تشرين الثاني العام 1963، اغتيل الرئيس الأميركي جون كينيدي في مدينة دالاس، في حادثة صدمت العالم، وأصبحت من أكثر الأحداث السياسيّة حضوراً في الذاكرة الأميركيّة الحديثة.
وفي 10 تشرين الثاني العام 1938، رحل مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهوريّة التركية وأوّل رئيس لها، تاركاً وراءه مرحلة تاريخيّة مفصليّة في تاريخ تركيا الحديث.
وعلى الجانب العلمي، شهد 9 تشرين الثاني العام 2005 إطلاق مسبار "فينوس إكسبريس" الأوروبي لاستكشاف كوكب الزهرة، في مهمّة هدفت إلى دراسة غلافه الجوّي وظروفه المناخيّة.
وفي 18 تشرين الثاني العام 2013، أطلقت وكالة ناسا مسبار "مافن" باتجاه المريخ، لدراسة الغلاف الجوّي للكوكب الأحمر، ومحاولة فهم كيفيّة فقدانه جزءً كبيراً منه عبر مليارات السنين.
وبين حجر فضائي سقط في حقل قمح قبل قرون، ومركبات أرسلها الإنسان لاستكشاف الكواكب، تبدو رحلة المعرفة الإنسانيّة حاضرة بقوّة في أجندة هذا الشهر.
شهر رحل فيه مارادونا وتولستوي وأوسكار وايلد
أمّا قائمة الراحلين في نوفمبر، فتبدو أشبه باستعادة لوجوه صنعت تاريخ الفنّ والأدب والرياضة.
ففي 20 تشرين الثاني العام 1910، رحل الكاتب الروسي ليو تولستوي، صاحب "الحرب والسلام" و"آنا كارينينا"، وأحد أعمدة الرواية العالميّة.
وفي 30 تشرين الثاني العام 1900، توفّي الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد، الذي ترك أثراً كبيراً في الأدب والمسرح بكتاباته الساخرة وأسلوبه المميّز.
وفي 28 تشرين الثاني العام 2014، رحل الشاعر اللبناني سعيد عقل، أحد أكثر الشعراء العرب إثارةً للجدل والاهتمام بتجربته اللغويّة والفكريّة.
وفي 25 تشرين الثاني العام 2020، توفي أسطورة كرة القدم الأرجنتينيّة دييغو مارادونا، الذي لم يكن لاعب كرة قدم وحسب، بل تحوّل إلى ظاهرة شعبيّة تجاوزت حدود الرياضة.
كما شهد نوفمبر رحيل الفنّانة المصريّة شادية في 28 تشرين الثاني 2017، والفنّانة سهير البابلي في 21 تشرين الثاني 2021، والممثّل السوري عصام عبه جي في 24 تشرين الثاني 2014.
وفي 30 تشرين الثاني 2012، رحل المخرج والممثّل السوري محمد الشيخ نجيب، فيما غادرت الروائيّة المصريّة رضوى عاشور في اليوم نفسه العام 2014.
نوفمبر أكثر من فكرة تقويم
وفي 21 تشرين الثاني من كلّ عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للتلفزيون، الذي أقرّته الأمم المتّحدة العام 1996، تقديراً لدور هذه الوسيلة في نقل المعلومات والتأثير في المجتمعات.
أمّا سلطنة عُمان، فتحتفل بعيدها الوطني في 18 تشرين الثاني، وهو تاريخ يرتبط بذكرى ميلاد السلطان الراحل قابوس بن سعيد.
كلّ ذلك يجعل من نوفمبر شهراً مزدحماً بما يتجاوز تقويم أعياد الميلاد والوفيّات؛ ففيه تتقاطع حكايات الفنّ والعلم والسياسة، وتلتقي أسماء لم يجمعها في الحياة شيء سوى أنها تركت أثراً خاصّاً في زمنها.
ثلاثون يوماً فقط، لكنها تحمل حكايات تمتد لقرون، عبر صورة مصغّرة عن التاريخ الإنساني بكلّ تناقضاته ومفاجآته، لتؤكد أن التقويم بالفعل وسيلة لمعرفة الوقت، لكنه أيضاً ذاكرة مفتوحة للبشريّة، تسجل من وُلدوا، ومن رحلوا، وما حدث في الطريق بين البداية والنهاية، فهل سيشهد هذا النوفمبر أحداثاً خاصّةً جديدة، تضاف ليوميّاته من جديد؟






