لا يبدأ التسرب المدرسي بقرار مفاجئ، بل غالباً بغياب متكرر، وتأخر عن الدوام، وتراجع في المشاركة، قبل أن تتراكم الفجوات التعليمية والضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، فيتحول الابتعاد التدريجي إلى انقطاع فعلي عن التعليم، وفي سوريا لا تمس هذه المشكلة مستقبل الطفل وحده، بل تمتد آثارها إلى الأسرة وسوق العمل والمجتمع، ما يجعل الوقاية منها مسؤولية مشتركة تبدأ بفهم أسباب الغياب ومعالجتها.
وتوضح الدكتورة غالية اسعيّد، الحاصلة على الدكتوراه في الصحة النفسية والإرشاد الأسري، أن مواجهة التسرب تتطلب التمييز بينه وبين التسيّب، وفهم الأسباب التي تدفع الطفل إلى الابتعاد، والتدخل قبل أن يصبح الانقطاع دائماً.
من التسيّب إلى التسرب.. مؤشرات مبكرة
تقول اسعيّد إن التسيّب والتسرب المدرسي ليسا مفهومين متطابقين، بل يمثلان مرحلتين مختلفتين في علاقة الطفل بالتعليم، فالتسيّب هو ضعف الانتظام والانخراط في المدرسة مع بقاء الطفل مسجلاً فيها، بينما التسرب هو الانقطاع الفعلي والمستمر عن التعليم ومغادرة المسار التعليمي.
ويظهر التسيّب غالباً من خلال الغياب المتكرر، والتأخر عن الدوام، والخروج المبكر، وضعف الالتزام بالمهام التعليمية، أو الحضور الجسدي مع انخفاض المشاركة والانخراط النفسي في المدرسة.
أما التسرب، فيشير إلى الانقطاع الفعلي والمستمر عن التعليم، بحيث يغادر الطفل المسار التعليمي، ويصبح احتمال عودته إليه أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
وتضيف: «من المنظور النفسي والتربوي، يمكن النظر إلى التسيّب بوصفه مؤشراً مبكراً على احتمال حدوث التسرب، وليس مجرد مشكلة انضباطية».
وتلفت إلى أن السلوك المدرسي قد يكون انعكاساً لضغوط تعليمية وأسرية ونفسية واقتصادية تسبق قرار الانقطاع النهائي. لذلك، فإن التعامل مع الغياب باعتباره مخالفة سلوكية فقط قد يحجب الأسباب الحقيقية وراءه.
كيف يتحول الغياب إلى انقطاع؟
يتحول التسيّب إلى خطر التسرب عندما يصبح نمطاً مستمراً، ويؤدي إلى تراكم المشكلات التعليمية والنفسية والاجتماعية.
فالطفل الذي يتغيب باستمرار يفقد أجزاء من المنهج، ثم تتسع الفجوة بينه وبين زملائه، وينخفض تحصيله وثقته بقدرته على النجاح، ومع تكرار التجربة، تتراجع دافعيته للعودة، وقد يصبح الابتعاد وسيلة لتجنب مشاعر الفشل أو الخجل أو العجز.
وتشرح اسعيّد هذا المسار بالقول: «الغياب المتكرر، ثم فجوة تعليمية، ثم انخفاض التحصيل، ثم شعور بالعجز أو الإحباط، ثم انخفاض الانتماء إلى المدرسة والمزيد من الغياب، وبعدها خطر التسرب».
الفقر وعمالة الأطفال أولاً
ترى اسعيّد أن التسيّب المدرسي يرتبط بعوامل متداخلة، ولا يمكن تفسيره بسلوك الطفل أو مستوى الانضباط المدرسي وحدهما، ففي السياق السوري، تتقاطع الظروف الاقتصادية والاجتماعية مع عمالة الأطفال، وتراجع قدرة الأسر على تحمل تكاليف التعليم، إضافة إلى النزوح وعدم الاستقرار الأسري والصعوبات النفسية والفجوات التعليمية وضعف الوصول إلى الخدمات.
وتوضح أن الفقر من أبرز العوامل المرتبطة بالابتعاد عن التعليم، ولا سيما عندما تعجز الأسرة عن تأمين احتياجاتها الأساسية، فهو لا يؤثر في التعليم عبر النفقات المباشرة فقط، بل ينعكس أيضاً على البيئة النفسية والاجتماعية للطفل.
وقد تضطر الأسرة إلى إشراكه في العمل أو تحميله مسؤوليات منزلية واقتصادية تفوق عمره، ما يقلل الوقت والطاقة المتاحين للتعلم، كما قد يؤدي الضغط المستمر إلى إضعاف قدرته على التركيز والانتظام والتحصيل.
وعن عمالة الأطفال، توضح اسعيّد أن الضغوط الاقتصادية قد تدفع الأسرة إلى تقديم الدخل الفوري على العائد التعليمي البعيد، فالعمل يوفر مورداً مباشراً، وقد يمنح الطفل شعوراً بالاستقلالية والمساهمة في إعالة أسرته، ما يجعل العودة إلى المدرسة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تراكم الفجوات التعليمية.
ولهذا، فإن الحد من عمالة الأطفال لا يعتمد على منعه من العمل فقط، بل يتطلب معالجة الظروف التي تدفع الأسرة إلى الاعتماد على دخله، بالتوازي مع توفير حماية تعليمية ونفسية واجتماعية له.
تجربة الطفل داخل المدرسة
لا يرتبط استمرار الطفل في المدرسة بالمناهج والتعليم فقط، بل يتأثر أيضاً بجودة تجربته النفسية والاجتماعية داخلها.
وتوضح اسعيّد أن الشعور بالانتماء، والعلاقة الإيجابية مع المعلمين، والأمان النفسي، والعلاقات مع الأقران، والشعور بالكفاءة والقدرة على النجاح، كلها عوامل تؤثر في ارتباط الطفل بالمدرسة.
فالطفل الذي يتعرض للتنمر، أو يشعر بالفشل المتكرر، أو يعاني من صعوبات تعلم غير مكتشفة، أو يشعر بأنه غير مقبول، قد يفقد ارتباطه بالمدرسة تدريجياً.
لذلك، لا تقتصر وظيفة المدرسة الداعمة نفسياً على نقل المعرفة، بل تشمل مساعدة الطفل على بناء الشعور بالكفاءة والانتماء والأمان، وهي عوامل ترتبط باستمراره في التعليم.
آثار تتجاوز مقعد الدراسة
يمتد أثر خروج الطفل من التعليم إلى سوق العمل والأسرة والمجتمع والتنمية المستقبلية، ولا يقتصر على فقدان فرصة تعليمية فردية.
فالحرمان من التعليم يرتبط بانخفاض فرص الحصول على عمل مستقر ولائق، وارتفاع احتمالات الدخول في العمل غير المنظم، واستمرار الفقر عبر الأجيال، كما قد يحد انخفاض المستوى التعليمي من قدرة الفرد على الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، واتخاذ قرارات مبنية على المعرفة، والمشاركة الفاعلة في المجتمع.
وتضيف اسعيّد أن المسألة تكتسب أهمية خاصة في سوريا، لأن إعادة بناء المجتمع تحتاج إلى رأس مال بشري قادر على التعلم والعمل والإنتاج، ومن ثم، فإن إبقاء الطفل في التعليم ليس قضية مدرسية فحسب، بل استثمار في التعافي الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل.
الحل يبدأ بقراءة الغياب لا بمعاقبته
تعتبر اسعيّد أن الحد من الانتقال من التسيّب إلى التسرب يتطلب نظاماً واضحاً لرصد الغياب ودراسة أسبابه، إلى جانب تدخلات تناسب احتياجات الطفل والأسرة.
وقد يحتاج الطفل إلى دعم نفسي، أو معالجة صعوبات التعلم، أو دعم اجتماعي للأسرة، أو مساعدة اقتصادية، أو حماية من عمالة الأطفال، أو تدخل لمعالجة التنمر وتحسين علاقته بالمدرسة.
وتؤكد أن الأسرة جزء أساسي من الحل، لأن المدرسة وحدها لا تستطيع معالجة مشكلة تكون أسبابها الرئيسية خارج أسوارها. كما تتطلب المواجهة تعاوناً بين الأسرة والمدرسة والاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين والمؤسسات المجتمعية وصانعي السياسات.
وتختصر اسعيّد الفكرة بالقول: «والهدف النهائي ليس فقط إعادة الطفل إلى مقعده الدراسي، وإنما إعادة بناء الظروف التي تسمح له بالبقاء في التعليم والاستفادة منه».
وبحسب اسعيّد، فإن مواجهة التسيّب والتسرب المدرسي في سوريا لا تبدأ من سؤال: لماذا ترك الطفل المدرسة؟ وإنما من سؤال أعمق: ما الذي حدث لهذا الطفل قبل أن يتركها؟
فإعادته إلى المدرسة ليست الهدف الوحيد؛ الهدف الحقيقي هو أن يستعيد شعوره بأن التعليم يستحق الاستمرار، وأن المدرسة مكان يمكن أن ينجح فيه، وأن مستقبله لا ينبغي أن يُختصر في حاجات الحاضر.






