في سوريا، لا تبدأ المأساة دائماً تحت القصف، بل أحياناً أمام بوابة مدرسة، هناك، حيث يُفترض أن تكون الطفولة في أمان، بدأت قصة الطفلة أمارة خليل، ذات الثلاثة عشر عاماً، التي تحولت خلال أشهر قليلة من تلميذة ضعيفة البنية إلى اسم جديد في سجل طويل من الأطفال الذين ابتلعتهم الحرب.
هناك، في مدينة كوباني، خُطفت الطفلة أمارة خليل، البالغة من العمر 16 عاماً، على يد ما يُعرف بـ“تنظيم الشبيبة الثورية”، لتتحول خلال أشهر قليلة من تلميذة ضعيفة البنية إلى ضحية جديدة لسياسة تجنيد الأطفال التي تلاحق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منذ سنوات.
أمارة خليل لم تكن تعرف معنى الحرب
أمارة، بحسب والدتها، لم تكن تعرف معنى الحرب ولا تملك القدرة الجسدية أو النفسية على حمل السلاح، لكن ذلك لم يمنع اقتيادها إلى مسار قسري غيّر مصيرها بالكامل.
على مدار أسابيع، لم تتوقف الأم عن المناشدات، طالبة إعادة ابنتها الوحيدة. كانت الرسالة واحدة: “هي طفلة، مكانها البيت والمدرسة، لا الجبهات”. إلا أن النداءات بقيت بلا استجابة.
لاحقاً، ظهر تسجيل مصوّر نُسب إلى أمارة، تقول فيه: "لا تبحثوا عني"، كلمات قصيرة، لكنها كانت كافية لإثارة أسئلة مؤلمة حول الظروف التي يُدفع فيها الأطفال إلى تبرير غيابهم عن عائلاتهم، أو ترديد رسائل لا تشبه أعمارهم.
الصدمة الكبرى جاءت لاحقاً، حين أعلنت قسد وفاة أمارة، موضحة أنها قُتلت أثناء مشاركتها ضمن صفوفها كـقنّاصة متدرّبة في مدينة حلب، وهكذا، تحولت قصة اختطاف طفلة من أمام مدرستها إلى نهاية مأساوية، أعادت فتح ملف تجنيد الأطفال في سوريا، لا كأرقام في تقارير، بل كحكايات بشرية كاملة.
اتهام دولي مباشر لـ"قسد"
في 25 حزيران/ يونيو 2024 اتهم تقرير "الاتجار بالبشر" السنوي لوزارة الخارجية الأميركية قوات سوريا الديمقراطية بمواصلة تجنيد الأطفال قسرا في صفوفه.
وجاء في التقرير أن تنظيم "قسد" كان قد تعهد بالامتثال لقرارات الأمم المتحدة لوقف تجنيد واستغلال الأطفال، لكن منظمة دولية تعمل في المنطقة أكدت أن التنظيم واصل تجنيد الأطفال عامي 2022 و2023.
ولفت التقرير إلى أن ما يسمى بـ "حركة الشباب الثوري" التابع لتنظيم “قسد” تواصل تجنيد الأطفال عن طريق خداعهم وبالقوة وتجنيدهم في هياكل شبابية من خلال إصدار إعلانات كاذبة تحت مسمى “دورات تدريبية” شمال شرقي سوريا، وتبين فيما بعد أنه تم زجهم في تدريبات مسلحة في جبل قنديل شمال العراق، وقال التقرير إن "تجنيد الأطفال أو استخدامهم في مهام قتالية لا يزال شائعا في سوريا".
وكان تقرير “الأطفال والنزاعات المسلحة” لعام 2023، الذي أعلنته الأمم المتحدة، في 20 يونيو/حزيران، أكد أن تنظيم “قسد” قام بتجنيد 231 طفلا في صفوف مسلحيه.
أمارة خليل ليست حالة معزولة
قصة أمارة ليست حالة معزولة، فمنذ سنوات، تحذّر منظمات حقوق الإنسان والأمم المتحدة من استمرار تجنيد الأطفال، بمن فيهم الفتيات، في الشمال الشرقي السوري، رغم التعهدات المعلنة بوقف هذه الممارسات، وغالباً ما يتم التجنيد عبر أطر شبابية أو ثقافية، قبل أن ينتهي الأمر بالأطفال في مواقع تدريب أو قتال، بعيداً عن عائلاتهم.
بين الخاص والعام، تبقى أمارة خليل رمزاً مؤلماً لطفولة سُلبت، لأن موتها كشف، مرة أخرى أن تجنيد الأطفال في سوريا ليس أثراً جانبياً للحرب، بل سياسة لها أدواتها ونتائجها الدموية.






