لم تعد الريح أميركية الهوى كما كانت، فالقلب الذي خفق يومًا لقسد، مال نحو دمشق، وكأن السياسة تعيد ترتيب عواطفها بلا اعتذار، فحين غيّرت واشنطن اتجاه الريح، تغيّر معها ميزان القلوب، فسقط اسم قسد من دفتر الود بقسوة، وارتفع اسم دمشق في خانة المصالح.
نعي المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك قسد كمشروع ووظيفة، لم يكن حدثاً بروتوكوليا عابراً، فمع النعوة، تذكّر كثيرون صورة كابول قبل سنوات، طائرات أميركية تقلع على عجل، وأيدٍ تتشبث بعجلاتها، قبل أن تسقط في الفراغ.
المشهد ذاته، بوجوه مختلفة، يتكرّر اليوم في شمال شرقي سوريا، تكشف معطيات رويترز أن ما جرى لم يكن انهيارًا مفاجئًا، بل انسحابًا محسوبًا، اجتماعات في دمشق وباريس وأربيل مهّدت لسيطرة سريعة لدمشق، بلا اعتراض أميركي يُذكر.
واشنطن، التي تتقن فن الصمت حين تريد الرحيل، أرسلت إشاراتها بهدوء فحواها، الدعم يُسحب، والرهان يُغلق والمصلحة انتهت.
مصدر أميركي وصف الرئيس السوري أحمد الشرع بأنه “استراتيجي بارع”، فيما قال دبلوماسيون إن الرسائل وصلت إلى قسد واضحة كالشمس بأن المظلّة لم تعد فوقكم، بل إن توم باراك نفسه، قبل أفوله، أبلغ مظلوم عبدي أن مصالح واشنطن باتت مع دمشق لا مع حلفائها الأكراد.
هكذا تُقال الحقائق في اللحظات الأخيرة، بلا مجاملة. الاجتماع الذي أُغلق فجأة في 4 كانون الثاني بدمشق كان كسرًا للساعة الرملية السياسية، انتهت المحادثات، وبدأ العدّ التنازلي.
في باريس، طُرحت عملية محدودة ضد “قسد” من دون اعتراض، ورسالة تركية حملت ختم واشنطن: افعلوا، لكن احموا المدنيين الأكراد، أما محاولات توريط إسرائيل بدعم “قسد”، فهو بمثابة حجر أُلقي في ماء راكد ليكشف عمق الصراع الخفي.
كما في أفغانستان، لم تخسر واشنطن حربًا، بل بدّلت موقعها على الخريطة، وحين تغيّر الإمبراطوريات بوصلتها، يسقط من يظن أن الحبال التي يمسكها مربوطة إلى الأبد.
شمال شرقي سوريا اليوم ليس ساحة معركة، بل مدرج إقلاع لمشروع إقليمي كبير ومن لا يسمع هدير المحركات، فاته الكثير.






