اقتصاد

من مسلخ جوبر إلى إسمنت المسلمية في حلب.. ماذا تكسب السوق السورية من الاستثمار العربي والأجنبي؟

27
من مسلخ جوبر إلى إسمنت المسلمية في حلب.. ماذا تكسب السوق السورية من الاستثمار العربي والأجنبي؟Syria One -خاص

تدخل سوريا مرحلة جديدة في إدارة منشآتها الاقتصادية، مع منح شركات عربية وتركية حق إعادة تأهيل وتشغيل أصول صناعية وخدمية بعقود تمتد إلى 15 و30 عاماً.


ومن مسلخ جوبر في دمشق، إلى مطاحن إسمنت طرطوس ومعمل إسمنت المسلمية في حلب، تراهن الحكومة على رأس المال والخبرة الخاصة لإعادة منشآت متضررة إلى الإنتاج.


لكن هذه العقود تطرح سؤالاً يتجاوز حجم الاستثمار: ماذا تكسب السوق السورية مقابل تشغيل أصولها لعقود طويلة؟ وهل يؤدي دخول المستثمر إلى زيادة الإنتاج وخفض الأسعار؟ أم أن كلفة التمويل واسترداد رأس المال قد ينعكسا في النهاية على المستهلك؟


لماذا نتجه للتشاركية مع القطاع الخاص؟


وفقاً للمعلومات الرسمية المعلنة، تم تسجيل 1430 طلباً للاستثمار الصناعي خلال النصف الأول من 2026، بينها 996 طلباً لإقامة منشآت جديدة، و317 لتحديث خطوط إنتاج، و117 لتوسعة منشآت، مع توقع توفير أكثر من 15 ألف فرصة عمل.


في هذا الشأن يعتبر الخبير الاقتصادي فادي عياش خلال حديثه لـ Syria One أن التشاركية بين القطاعين العام والخاص (PPP) من أنسب الأساليب لإعادة تأهيل وتشغيل منشآت القطاع العام الاقتصادي، ولا سيما المتضررة والمتوقفة، لأنها تؤمن التمويل وتسرّع التنفيذ وتحسن الإدارة والتشغيل، مع تحقيق عوائد مناسبة لدعم خزينة الدولة والحفاظ على حقوق الملكية في معظم نماذج العقود.


وينظم هذا النموذج قانون التشاركية رقم 5 لعام 2016، ويقوم على عقد طويل الأجل بين جهة عامة تمتلك المنشأة ومستثمر خاص يتولى التمويل والتأهيل والإدارة والتشغيل، بينما تبقى ملكية الأرض والمنشأة للدولة، وتعود المنشأة إليها عند انتهاء العقد وفق الشروط المتفق عليها.


ويربط عياش توجه الحكومة بثلاثة احتياجات رئيسية: ضعف قدرة الموازنة العامة على تمويل إعادة تأهيل المنشآت الضخمة المتضررة، والحاجة إلى التكنولوجيا والآلات الحديثة، والترهل الإداري الذي أدى إلى البيروقراطية والهدر والخسائر المستمرة. ويتيح إشراك القطاع الخاص، وفق رؤيته، الاستفادة من مرونته التمويلية والتكنولوجية وخبراته الفنية والإدارية.


المستثمر أولاً أم المستهلك؟


يرى عياش أن نجاح التشاركية يمكن أن يظهر أولاً في زيادة الطاقة الإنتاجية والمعروض المحلي من خلال صيانة الآلات وتحديث خطوط الإنتاج، ما يساعد على تغطية العجز وتقليص الحاجة إلى الاستيراد. كما يمكن أن يؤدي إدخال التكنولوجيا وتوطينها إلى خفض الهدر والتكاليف وزيادة الإنتاجية، وبالتالي المساهمة في كبح التضخم.


لكن زيادة الإنتاج لا تعني تلقائياً انخفاض الأسعار، بحسب التحفظات التي يطرحها عياش. فالمستثمر قد يركز على خطوط الإنتاج الأسرع ربحاً على حساب الصناعات التحويلية الأكثر تعقيداً، كما قد تنشأ ضغوط لخفض تكلفة المواد الخام على حساب الجودة. ويرى كذلك أن رفع الأسعار قد يصبح احتمالاً قائماً إذا تخلت الدولة عن الدعم واضطر المستثمر إلى تحميل تكاليف تمويله على المستهلك.


الـ15 عاماً.. مدة قصيرة أم حافز لاسترداد الاستثمار سريعاً؟


يوضح د.عياش أن مدة 15 عاماً قصيرة نسبياً مقارنة بعقود التشاركية التي تتراوح عالمياً بين 20 و30 عاماً. وهذه المدة، بحسب تحليله، قد تؤثر في طريقة تصرف المستثمر منذ اليوم الأول للعقد.


فالمستثمر الذي ينفق رأس مال كبيراً على تأهيل منشأة ويملك 15 عاماً فقط لاسترداد تكلفته وتحقيق العائد المستهدف، قد يسعى إلى تسريع الاسترداد عبر الأسعار. كما قد يفضل استثمارات سريعة العائد على البنى التحتية العميقة أو التكنولوجيا التي تحتاج سنوات أطول لاسترداد كلفتها.


ويحذر عياش من مشكلة أخرى تظهر في نهاية العقد: احتمال تراجع الإنفاق على الصيانة والتحديث خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، مع توجه المستثمر، بحسب تقديره، إلى استغلال الآلات بأقصى طاقة ممكنة لتحقيق أعلى عائد قبل تسليم المنشأة للدولة، بما قد ينعكس على جودة الإنتاج وحالة الأصل عند انتهاء العقد.


كيف تمنع الدولة انتقال كلفة الاستثمار إلى المستهلك؟


يرى عياش أن مدة العقد لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن القواعد التي تحكم الأسعار والجودة والصيانة والاستثمار خلال فترة التشغيل. ويقترح، لتجنب تحول قصر مدة الاستثمار إلى عبء على المستهلك، أن تعتمد الدولة ضوابط تسعيرية مرنة، مثل ربط الأسعار بالقوة الشرائية أو وضع سقوف سعرية مقترحة مقابل إعفاءات ضريبية.


خلاصة القول إن نجاح هذه الموجة الاستثمارية لا يقاس فقط بعدد المنشآت التي عادت إلى العمل، أو بحجم الأموال التي دخلت إلى سوريا، بل بما ستتركه تلك العقود خلفها: إنتاجاً أكبر، وأسعاراً يمكن للسوق تحملها، ومنشآت أكثر كفاءة، وعائداً مناسباً للدولة، وأصولاً تعود إليها في نهاية العقد بحالة تشغيلية جيدة.


مقالات ذات صلة

عن سكة طرابلس–حمص.. بكار لـSyria One: الجدوى تكمن بقدرته على جذب الاستثمار وخدمة احتياجات الأسواق

عن سكة طرابلس–حمص.. بكار لـSyria One: الجدوى تكمن بقدرته على جذب الاستثمار وخدمة احتياجات الأسواق

بعد عقود من توقف خط السكك الحديدية بين مرفأ طرابلس وحمص، بدأ المشروع ينتقل من فكرة مؤجلة إلى مسار أكثر جدية، مع تحرك لبناني–سوري لإجراء كشف ميداني على مسار الخط وإعداد الدراسات الفنية والمالية والبيئية اللازمة لتحديد كلفته وجدواه وآلية تمويله
34
سوريا وشركة ماستركارد تبحثان في نيويورك فرص تطوير المدفوعات الرقمية

سوريا وشركة ماستركارد تبحثان في نيويورك فرص تطوير المدفوعات الرقمية

بحثت سوريا وشركة ماستركارد في نيويورك فرص تطوير المدفوعات الرقمية
466
بيسنت: إيران لن يكون لديها أي شحنات نفط في عرض البحر.. الأمر محسوم

بيسنت: إيران لن يكون لديها أي شحنات نفط في عرض البحر.. الأمر محسوم

اعتبر وزير الخزانة  الأمريكي سكوت بيسنت، إن إيران لن يكون لديها أي شحنات نفط في عرض البحر خلال هذا الأسبوع، معتبرًا أن "الأمر انتهى تمامًا" بالنسبة لطهران
410
ماذا قالت شركات عربية وأجنبية عن معرض 360 ‏Food Syria‏ في دمشق؟

ماذا قالت شركات عربية وأجنبية عن معرض 360 ‏Food Syria‏ في دمشق؟

أكد ممثلون عن شركات عربية وأجنبية مشاركة في معرض “360 ‏Food Syria‏” للصناعات ‏الغذائية، المقام على أرض مدينة المعارض بدمشق، أهمية المعرض في التعرف على السوق ‏السورية واحتياجاتها، وبحث فرص الاستثمار والشراكة مع الشركات المحلية، بما يدعم تطوير ‏الصناعات الغذائية وسلاسل الإمداد والتغليف
462
منافسات البطولة العربية للدراجات في ‏دمشق وريفها تنطلق غدا

منافسات البطولة العربية للدراجات في ‏دمشق وريفها تنطلق غدا

تنطلق غداً الأحد منافسات البطولة العربية للدراجات في ‏دمشق وريفها، وتستمر حتى الـ 10 من تشرين الأول ‏الجاري، بمشاركة عدد من الدول العربية، وتتضمن ‏سباقات لفئات الرجال والسيدات والشباب والشابات ‏والناشئين وذوي الإعاقة
377
سيرياون إعلان 7