"تسارع حاد في ضربات القلب، ضيق شديد في التنفس، وشعور عارم بالخطر وكأن الروح توشك على مفارقة الجسد"، هي دقائق قليلة يعيشها من يمر بـ "نوبة هلع Panic Attacks"، فمع تصاعد وتيرة الحياة الصعبة والصعوبات الاقتصادية والأزمات النفسية، التي مر بها السوريين، تحولت نوبات الهلع من مصطلح طبي مبهم إلى واقع يعاني منه الكثيرون بصمت، وغالباً ما يُفسر خطأً على أنه "نوبة قلبية".
وتُصنف نوبات الهلع كواحدة من أكثر اضطرابات القلق انتشاراً وتأثيراً على جودة الحياة اليومية للأفراد، وفي مجتمع كالمجتمع السوري، تعرض لصدمات وأزمات نفسية، أصبحت التوعية بهذه النوبات ضرورة ملحة.
وحول ذلك توضح الأخصائية والباحثة الاجتماعية، غدران نجم في حديث لـ Syria One، أن نوبة الهلع هي موجة مفاجئة من الخوف الشديد، تصل ذروتها خلال دقائق قليلة دون سبب خارجي وواضح دائماً، وتترافق مع أعراض جسدية ونفسية مكثفة، حيث نجد خفقان قلب شديد أو تسارع نبض، ضيق تنفس أو شعور بالاختناق، تعرق ورجفة ودوخة، وربما ألم أو ضيق في الصدر حيث من الممكن أن يُشتبه أحياناً بنوبة قلبية، بالإضافة إلى تنميل في الأطراف أو الشفتين، وقد نجد شعوراً بالخطر الوشيك أو فقدان السيطرة يترافق مع إحساس بعدم الواقعية كأن المكان أو الجسد غير حقيقي وربما نجد خوفاً من الموت أو الجنون".
وتضيف: "فمثلاً قد نجد شخص يجلس في مكان عام، وفجأة يشعر أن قلبه يتسارع بشدة، ويعتقد أنه يتعرض لأزمة قلبية، فيهرع للمستشفى لتُظهر الفحوصات أن قلبه سليم عضوياً، وهذا نمط شائع جداً في الحالات التي تصل للطوارئ".
زيادة الحالات في سوريا
وفي سوريا، تشير النتائج بوضوح إلى زيادة في مثل هذه الحالات، نتيجة محفزات متتالية بحسب نجم، للتتابع: "فمثلاً، بعد زلزال شباط 2023، وثّق مختصون في الشمال السوري ارتفاعاً في عدد المصابين بنوبات الهلع، حيث اعتبر أحد الأطباء النفسيين الزلزال حدثاً صادماً، أنتج توتراً وأرقاً وأفكاراً اقتحامية متكررة، عن ذكريات الحدث كما عُرض في التلفزيون الرسمي السوري، وأيضاً، خلال جائحة كوفيد-19 (كورونا) سجلت دراسة سورية ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات القلق العام قياساً بمقياس هاميلتون، مع التنويه إلى أنه لا توجد إحصائية دقيقة وشاملة موثقة، إذ يشير مسؤولو الصحة النفسية في إدلب، إلى تعذر إحصاء الأعداد الحقيقية لأن بعض الأشخاص يصابون بالنوبة دون أن يدركوا طبيعتها، وآخرون لا يراجعون طبيباً أو عيادة متخصصة أصلاً، وهذا يعني أن الأرقام المعلنة هي جزء الجليد الظاهر فقط".
الظروف المعيشية الصعبة، تعتبر مسببة بطريقة غير مباشرة، لتضيف نجم: "حيث أن الظروف المعيشية القاسية التي تحوي: انقطاع الكهرباء الغلاء البطالة والخوف من الغد، تعمل كعامل مراكم للتوتر المزمن الذي يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم، وحين يضاف لذلك حدث ضاغط مفاجئ كخبر سيء أو صوت مرتفع أو ذكرى مؤلمة، يحدث الانفجار على شكل نوبة هلع، فعلى سبيل المثال، (أم تعيش تحت ضغط تأمين مصاريف المنزل، يومياً تسمع صوت انفجار بعيد أو خبر أمني مقلق، فتصاب بنوبة هلع فورية حيث الجسد هنا يكون قد وصل لحد التشبع من التوتر المتراكم)".
ومن أكثر الفئات الأكثر شكوى، بناءً على المعطيات المتوفرة والملاحظات الميدانية الشائعة في السياق السوري، هي "النساء خصوصاً الأمهات المسؤولات عن أعباء أسرية متعددة تحت ضغط اقتصادي، يليها الشباب في سن العمل بسبب انسداد الأفق الاقتصادي وضغط الهجرة أو عدمها، من ثم الناجون من أحداث صادمة مباشرة، كالزلزال أو القصف أو النزوح، يليها فئة العاملين في القطاعات الإنسانية والصحية بسبب التعرض المتكرر لمعاناة الآخرين".
وفيما يخص التعامل مع الشخص المصاب، تقول نجم: "للأسف لا تزال مجتمعاتنا لا تملك ثقافة نفسية كافية، فيقال للشخص أحياناً أن ما يحدث معه أمر عادي أو ليس ذو أهمية، أو أن الشخص يبالغ ويقوم بالتمثيل، وهذا يفاقم شعوره بالعزلة والخجل من طلب المساعدة، وهنا لا بد من التعامل الصحيح مع النوبة لحظة حدوثها بالبقاء بجانب الشخص بهدوء دون إظهار قلق مبالغ فيه، وتذكيره بأن ما يشعر به خطير الإحساس، لكنه غير قاتل وأنه سيمر خلال دقائق مع توجيهه لتمارين تنفس بطيء وتجنب كثرة الأسئلة أو الطلب منه أن يهدأ فوراً، وربما تبرز الأخطاء الشائعة من المحيطين كالصراخ على المصاب أو استعجاله، ما يزيد شعوره بالخطر، أو ممكن أن يتم التقليل من تجربته وإشعاره بعدم التصديق، وقد نجد كثرة الحركة أو التجمهر حوله، ما يزيد احساسه بالاختناق، ناهيك عن إعطائه معلومات طبية خاطئة أو مقارنته بأزمة قلبية فعلية ما يرفع خوفه أكثر وقد نجد من يتجاهل الحالة ولا يشجع الشخص على المتابعة النفسية فتتكرر النوبات دون علاج".
وختمت الباحثة كلامها بالقول: "بصفتي عاملة واختصاصية في هذا المجال، فللأمانة العلمية ما هو موثق فعلياً هو في الأرقام الرسمية المعلنة (وزارة الصحة) وهذا يغطي فقط مستشفيات محددة تابعة للدولة، ولا يشمل القطاع الخاص أو الهلال الأحمر أو الجمعيات العديدة المتخصصة، ما يجعل أي رقم متداول أقل بكثير من الواقع الفعلي، لكن ما يمكنني تأكيده أن تجاهل مثل هذه الحالات هو أمر يفاقم من ارتفاع عدد الحالات وآثارها على الشخص والمحيطين به".






