يواجه قطاع العقارات والمحال التجارية في سوريا أزمة عميقة تتجلى في قفزات غير منطقية بمعدلات الإيجار، مما يضع أصحاب المهن الصغيرة والمتوسطة أمام ضغوط مالية خناقة في ظل غياب التثمين الموضوعي والتدخل التنظيمي الفعال.
وفي وقت تتزايد فيه مخاوف التجار من فقدان زبائنهم واستثماراتهم جراء التنقل الاضطراري المستمر، فكّك الباحث والأكاديمي المالي فراس شعبو في تصريحات خاصة لـ "Syria One" الأبعاد الاقتصادية والآليات القانونية الممكنة للحد من العشوائية في سوق الإيجارات السوري.
نماذج التدخل القانوني وآلية التسعير الملائمة للواقع
أكد الباحث والأكاديمي المالي فراس شعبو لـ Syria One أن حماية المستأجر والمالك تستوجب تدخلاً إدارياً وتنظيمياً يوازن بين حقين، مشيراً إلى أن تطبيق سقف مطلق ومجمد لنسب الزيادة السنوية (كحدود 10% إلى 15%) غير مجدٍ في البيئات التضخمية، واُستبعد تجريبياً كونه يقلل المعروض ويشجع على الصيانة الضعيفة وظهور الأسواق الموازية "تحت الطاولة".
وبيّن شعبو أن النموذج الأنسب للواقع السوري يماثل التجربة التركية، التي تعتمد تحديد سعر إيجاري مرجعي يزداد سنوياً بنسبة تتناسب مع التضخم (بين 30% إلى 35%)، موضحاً أن هذا الخيار يضمن عائداً مقبولاً للمالك ويحمي المستأجر، كما يتميز بسهولة التطبيق عبر جهاز إداري محدود دون الحاجة إلى نزاعات قضائية معقدة.
غياب المؤشرات المعيارية وفقدان البيانات العقارية
وفيما يتعلق بآلية التسعير الحالية، أوضح شعبو لـ Syria One أن المشكلة الأساسية تكمن في الغياب التام للمرجعية السعرية أو نقاط القياس المعتمدة (Benchmark)، مما جعل منطق العرض والطلب العشوائي هو المحرك الأساسي للأسعار، مشيراً إلى أن غياب سجل عقاري وظيفي وبيانات موثوقة من قبل النقابات المعنية أدى إلى تسجيل عقود صورية بأسعار وهمية للتهرب الضريبي بموجب ثغرات القانون، وهو ما سمح بفرض إيجارات باهظة في مناطق لا تملك الحد الأدنى من المقومات.
استنزاف رأس المال الرمزي للمهن ونظرية "ندرة الموقع"
ولفت الباحث المالي عبر Syria One إلى أن التنقل المستمر للمحال التجارية بسبب غلاء الإيجار يستنزف "رأس مال الزبائن" (Customer Capital) والسمعة التجارية المرتبطة بالموقع الجغرافي، وهو رأس مال غير قابل للنقل يتراكم على مدار سنوات، موضحاً أن غالبية التجار يرضخون لزيادات المالكين بعد مقارنة تكلفة الانتقال والدعاية وخسارة الزبائن بتكلفة الزيادة المطلوبة، كما شدد على أن زيادة المعروض العقاري خارج مراكز المدن لن يحل الأزمة بسبب مبدأ "قابلية الإحلال المكاني" وندرة الموقع التجاري المركزي، حيث لا يمكن للأنشطة التجارية الاستغناء عن الأماكن الحيوية مقابل محال بديلة في الأرياف أو الأطراف.
صعوبة الضرائب الرادعة وضرورة المؤشر المرجعي
وشدد شعبو في ختام تصريحه لـ Syria One على أن فكرة فرض ضرائب على العقارات المغلقة لإجبار المالكين على تأجيرها – ورغم وجاهتها النظرية – تصطدم بعدم وجود سجل عقاري دقيق أو جهاز تحصيل ضريبي فعال في سوريا، فضلاً عن انتشار التلاعب بالعقود للتهرب الضريبي، مبيناً أهمية المطالبة بالبدء الفوري في إنشاء مؤشر مرجعي للأسعار (ولو بشكل غير رسمي) بالتنسيق بين غرف التجارة ومؤسسات الإسكان والسجل العقاري، ليكون أداة تقييم موضوعية تحد من الاستغلال وتضمن استقرار السوق.






