وقّعت وزارة الطاقة وشركة "كاشن" السعودية لتقنية المعلومات، الأحد 13 أيلول/سبتمبر، اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لتأسيس "المنصة الوطنية الرقمية لتداول وحوكمة المشتقات النفطية".
وتهدف الاتفاقية، إلى تأسيس "شركة المشروع" وتطوير المنصة الوطنية الرقمية وتشغيلها، إلى جانب بناء منظومة رقمية متكاملة تخدم كامل قطاع المشتقات النفطية، في حين تشمل المنظومة الجهات التنظيمية والإشرافية، ومشغلي محطات الوقود، وشركات النقل والتوزيع والصهاريج، إضافة إلى عمليات التخزين والتصنيع ذات الصلة، وصولاً إلى المستفيدين النهائيين من قطاعي الأعمال والأفراد.
وعن أهمية الاتفاقية، يوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور عبد الرحمن محمد أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد في جامعة حماه، لـ Syria One، أنها تُشكل خطوة نوعية في مسار إعادة هيكلة قطاع المشتقات النفطية في سوريا، إذ تنقل إدارة هذا القطاع من الأساليب التقليدية إلى منظومة رقمية متكاملة تستهدف الحوكمة والشفافية، مبيناً بنفس الوقت، أن هذه الشراكة، تأتي في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد، حيث يبلغ إجمالي حاجة سوريا من النفط ومشتقاته نحو 300 ألف برميل يومياً، مقابل إنتاج محلي لا يتجاوز 100 ألف برميل يومياً.
وتابع محمد: "يعني الاتفاق عملياً، أن وزارة الطاقة السورية ستتخلى عن جزء من إدارة تداول المشتقات النفطية اليدوية والتقليدية لصالح منظومة رقمية مركزية تُدار عبر منصة وطنية، بموجب الاتفاق، ستُؤسَّس شركة المشروع لتطوير وتشغيل هذه المنصة، التي ستغطي كامل سلسلة القيمة في قطاع المشتقات النفطية: من الجهات التنظيمية والإشرافية، إلى محطات الوقود وشركات النقل والتوزيع والصهاريج، وصولاً إلى مراحل التخزين والتصنيع والمستهلك النهائي.
مدة الاتفاق عشر سنوات، مع البدء بمرحلة تجريبية في بعض محطات دمشق خلال 60 يوماً".
وتكمن الأهمية الجوهرية، للاتفاقية، بحسب الخبير الاقتصادي، في ثلاثة أبعاد، وهي:
ـ الحوكمة والشفافية: الهدف المعلن هو تقليل الهدر وضبط الكميات ومراقبتها بشكل مباشر ورقمي، بما يمنع التلاعب والغش في توزيع المشتقات، وهذا يعالج خللاً هيكلياً ظل يستهلك موارد الدولة لعقود.
ـ الكفاءة التشغيلية: ستتيح المنصة توجيه سلاسل التوريد باتجاه المناطق وفق الحاجة بشكل آلي، أي ربط البيانات اللحظية لقرارات التوزيع، بدلاً من التقديرات اليدوية.
ـ البعد الاستراتيجي: تمثل الشراكة اختراقاً سعودياً في قطاع الطاقة السوري، وتأتي ضمن سياق توسع العلاقات الاقتصادية بين دمشق والرياض منذ مطلع 2026، كما تحمل دلالة رمزية باختيار شركة "كاشن" المتخصصة في تقنيات الطاقة والتقنيات المالية، والتي تُعالج عمليات تجاوزت 20 مليار ريال في السوق السعودي.
تأثير الاتفاقية على أسعار المشتقات النفطية
يؤكد محمد، أن التأثير ليس في الأجل القصير، ولكن قد تسهم في احتوائها في الأجل المتوسط؛ وذلك يعود للأسباب التالية:
ـ الاتفاقية أداة رقابة وتوزيع، وليست أداة تسعير مباشرة، والتسعير في سوريا يخضع لقرار اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية، التي تربط السعر بتكاليف الاستيراد والتكرير وسعر الصرف.
ـ الضغوط السعرية الراهنة بنيوية وليست إدارية، فسوريا تعتمد على استيراد نحو 60% من المازوت و33% من البنزين، في ظل عمرة مصفاة بانياس لمدة شهرين، وارتفاع كلفة تأمين المشتقات عالمياً.
ما يمكن أن تفعله المنصة هو تقليص الفاقد والتهريب، التقديرات غير الرسمية تشير إلى أن نسبة كبيرة من المشتقات المدعومة كانت تتسرب قبل وصولها للمستهلك، وإذا نجحت المنصة في احتواء هذا التسرب، فسيؤدي ذلك إلى تحسين توفر المادة، وبالتالي ضغط غير مباشر نحو استقرار السعر، لكنه ليس انخفاضاً فورياً.
وختم الخبير الاقتصادي كلامه بالقول: "تمثل هذه الاتفاقية إصلاحاً مؤسسياً بالمعنى الدقيق، فهي لا تعالج جوهر المشكلة السورية المتمثلة في فجوة الإنتاج والاستيراد، لكنها تستهدف الخلل في كيفية إدارة الشحنة الواحدة من لحظة استيرادها حتى بيعها للمواطن، في اقتصاد يعاني من ندرة الموارد المالية، وتحويل جزء من الكلفة إلى رقابة رقمية محكمة هو قرار رشيد، لكن يبقى التحدي الأكبر في التنفيذ: هل ستنجح المنصة في تجاوز العقبات البيروقراطية والمصالح المتشابكة التي استفادت لعقود من غياب الشفافية؟ وهل ستُدعم الشراكة السعودية بتدفق استثماري موازٍ يرفع الطاقة التكريرية ويقلص فاتورة الاستيراد؟ الإجابة عن هذين السؤالين هي التي ستحدد ما إذا كانت المنصة حوكمة شكلية أم إصلاحاً حقيقياً".






