محلي

استنزاف المياه الجوفية في سوريا.. هل تكفي تراخيص الآبار لضمان استدامة الموارد المائية؟

39
استنزاف المياه الجوفية في سوريا.. هل تكفي تراخيص الآبار لضمان استدامة الموارد المائية؟ريم وانلي

تواجه المياه الجوفية في سوريا ضغوطاً متزايدة مع استمرار الاعتماد على الآبار في ري الأراضي الزراعية، وسط تراجع مناسيب المياه في بعض المناطق وصعوبات في مراقبة كميات الضخ. وبينما تنظم التشريعات حفر الآبار واستخدامها، يبرز سؤال حول مدى كفاية التراخيص والرقابة الحالية لضمان استدامة الأحواض المائية.


التراخيص تحدد كميات الضخ والرقابة تواجه صعوبات


تقول الهيئة العامة للموارد المائية إن ترخيص البئر يبقى سارياً ما لم يُلغَ، وفق قانون التشريع المائي رقم 31 لعام 2005 وتعليماته التنفيذية، وتوضح أن كمية المياه المسموح بضخها تُحدد عند منح الترخيص، وفق الغرض من استخدام البئر، سواء كان زراعياً أو صناعياً أو سياحياً، وطبيعة المنطقة ومدى توافر المياه المتجددة فيها.


وتشير الهيئة إلى أن منح التراخيص يأخذ في الاعتبار قدرة المورد المائي على تلبية الاحتياجات، موضحةً أنه لا يمكن، على سبيل المثال، الترخيص لمنشأة ذات استهلاك مائي مرتفع، مثل معمل السكر، في منطقة تعاني ضعفاً في مواردها الجوفية.


وبحسب الهيئة، تُصنّف الأحواض والمناطق المائية استناداً إلى الدراسات، فيما يجري العمل على تحديث هذه الدراسات والانتقال إلى دراسات على مستوى الحويضة المائية للحصول على نتائج أكثر دقة وواقعية.


أما مراقبة كميات الضخ، فتقول الهيئة إنها تعتمد على العدادات المركبة على الآبار، وتتحقق من القراءات ومقارنتها بالكميات المسموح بها في الترخيص، لكنها تقرّ بأن عمليات التحقق ليست دورية، بسبب محدودية الكوادر والآليات واتساع النطاق الجغرافي الذي تشرف عليه.


وتضيف الهيئة أن القرار رقم 8 لعام 2023 ينظم التعامل مع الآبار المرخصة وغير المرخصة والآبار الجديدة، وفق حالة الحوض المائي، سواء كان متجدداً أو يعاني الاستنزاف.


وفي ما يتعلق بالاستخدام الزراعي، توضح الهيئة أن الخطط الزراعية السنوية تُعدّ في المحافظات عبر لجان تضم مديريات الموارد المائية والزراعة، وتشمل مصادر الري المختلفة، بما فيها الآبار، وتؤكد ضرورة عدم السماح بزراعة المحاصيل ذات الاحتياجات المائية المرتفعة في الأراضي التي تعتمد على المياه الجوفية.


وتقول الهيئة إن المؤشر الأساسي الذي تعتمد عليه لتقييم نجاح جهودها هو انخفاض عدد الآبار المخالفة.


الترخيص لا يعني بالضرورة استدامة الضخ


في المقابل، يرى الباحث في الموارد المائية والبيئة الدكتور موفق الشيخ علي أن وجود ترخيص قانوني للبئر لا يضمن وحده استدامة استخدامه؛ إذ يتوقف ذلك على حالة الحوض المائي ومعدل تغذيته مقارنةً بكميات المياه المستخرجة منه.


ويشير الشيخ علي في حديثه لـ Syria One إلى أن مناسيب المياه في عدد من الآبار في أجزاء من ريف حماة تراجعت إلى أقل من نصف مستوياتها السابقة، ما اضطر أصحابها إلى تعميق الآبار أو خفض الأنابيب داخلها لمواصلة الضخ.


ويقدّر أن البئر الزراعي الخاص قد يروي مساحة تتراوح بين 30 و100 دونم، فيما قد تخدم الآبار المشتركة مساحات بين 60 و180 دونماً، تبعاً لظروف التشغيل وطبيعة الأراضي. ويشير إلى أن التحكم في ساعات تشغيل الآبار الخاصة ومواعيد الري محدود في المنطقة التي يتحدث عنها، وأن عدداً من الآبار غير مرخص.


كما يلفت الشيخ علي إلى أن انتشار الطاقة الشمسية خفّض كلفة الضخ في بعض الحالات، لكنه شجّع أيضاً على توسيع الإنتاج الزراعي من دون أن يقترن ذلك دائماً بتخطيط يراعي قدرة الأحواض على التجدد أو احتياجات السوق.


ويربط الباحث بين التوسع في الزراعة المروية وضعف التسويق ومحدودية الطلب، مشيراً إلى أن فائض الإنتاج أدى في بعض المواسم إلى انخفاض الأسعار إلى مستويات لا تغطي تكاليف الزراعة، ما دفع مزارعين إلى التخلي عن بعض المحاصيل أو إتلافها، ويضيف أن تراجع أسعار القمح وتأخر تسديد مستحقات المزارعين ساهما في انتقال بعضهم من الزراعة البعلية إلى محاصيل تعتمد على الري، بما يزيد الضغط على المياه الجوفية.


وفي بلدة خطاب بريف حماة، تقدّر الإفادات الميدانية عدد الآبار المستخدمة في الري بنحو 200 بئر، مرخصة وغير مرخصة، من دون احتساب المضخات التي تسحب المياه من نهر العاصي، ويظل هذا الرقم تقديراً ميدانياً، لا إحصاءً رسمياً شاملاً.


وتشمل الحالات التي جُمعت خلال إعداد التقرير بئر حمزة المرعي، الذي يروي نحو 100 دونم باستخدام الطاقة الشمسية، وبئر عبد العزيز الطويل الذي يروي نحو 85 دونماً مزروعة بالبطاطا، كما أفاد علاء عبد العزيز الطويل بتراجع منسوب المياه في بئره. وتوضح هذه الحالات بعض مظاهر الاعتماد على الآبار، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد حجم الاستنزاف على مستوى المنطقة من دون بيانات منتظمة عن المناسيب وكميات الضخ.


قياس الاستنزاف يتطلب مراقبة مستمرة


على المستوى الفني، يتطلب تحديد كميات الضخ الآمنة معرفة معدلات تغذية كل حوض مائي ومقارنتها بكميات المياه المستخرجة منه للشرب والزراعة والصناعة، وتشمل عملية التقييم رصد الأمطار والثلوج والتدفقات السطحية، إلى جانب متابعة تغير مناسيب المياه عبر الزمن.


ولا يتوقف وضع الحوض على عدد الآبار فقط، بل يتأثر أيضاً بطبيعة التربة والانحدار ونوع المحاصيل وكثافتها والغطاء النباتي، إضافة إلى عوامل مناخية مثل أشعة الشمس والرياح والرطوبة، وعندما تتجاوز كميات الضخ معدلات التغذية لسنوات، قد يدخل الحوض في عجز مائي يصعب تعويضه، فيما تتوقف فرص التعافي على حجم الواردات المائية وإمكانية خفض الضخ أو وقفه.


وتشير الإفادات الفنية التي جُمعت للتقرير إلى أن شبكات مراقبة المياه وقواعد البيانات تضررت خلال سنوات الحرب، مع فقدان سجلات وأجهزة رصد في بعض المواقع، كما شهد قطاع المياه سابقاً دعماً فنياً من هولندا وألمانيا واليابان، شمل تجهيزات للرصد ومحطات للأرصاد الجوية وتدريباً للكوادر.


وتتطلب معالجة المشكلة، وفق هذه الإفادات، حصر الآبار المرخصة وغير المرخصة، وتطوير شبكات مراقبة المياه السطحية والجوفية، واستخدام أجهزة قياس آلية تنقل البيانات إلى قواعد مركزية، مع توفير كوادر قادرة على تحليل المعلومات وتحويلها إلى قرارات عملية.


كما يتطلب الحد من الاستنزاف ربط الخطط الزراعية بالموارد المائية المتاحة، وتشجيع الزراعة البعلية حيثما أمكن، وتحسين تسويق المنتجات بما يحد من التوسع غير المدروس في المحاصيل المروية.


وبينما تركز الهيئة على التراخيص ومخالفة شروط الحفر والضخ، يبرز من الإفادات الفنية أن تقييم الاستدامة يحتاج أيضاً إلى قياس حالة الأحواض نفسها، ومقارنة كميات الضخ بمعدلات التغذية، ومتابعة تغير المناسيب على المدى الطويل. فخفض عدد الآبار المخالفة لا يكفي وحده لإثبات تعافي المياه الجوفية، ما لم تُظهر البيانات أن السحب بات متناسباً مع قدرة المورد على التجدد.


مقالات ذات صلة

تشققات وتصدعات واضحة في المباني.. طريق "القصر" الجديد يهدد منازل مزة 86 والجهات الرسمية ترفض التوضيح

تشققات وتصدعات واضحة في المباني.. طريق "القصر" الجديد يهدد منازل مزة 86 والجهات الرسمية ترفض التوضيح

لم تعد تفجيرات وتفتيت الصخور لشق طريق القصر الجديد مجرد إزعاج لسكان حي المزة 86، بل تحولت إلى كابوس يومي يعيشونه مع كل هزة ترجّ الحيطان والأثاث من دون إنذار مسبق
3
سعر الصرف في سوريا اليوم 17 أكتوبر تشرين الأول 2026

سعر الصرف في سوريا اليوم 17 أكتوبر تشرين الأول 2026

شهدت أسعار صرف العملات الأجنبية مقابل الليرة السورية استقرارا
33
الإصلاح الجمركي في سوريا.. مستشار تحكيم تجاري لـSyria One: التخفيضات الجمركية وحدها لا تكفي لانخفاض الأسعار

الإصلاح الجمركي في سوريا.. مستشار تحكيم تجاري لـSyria One: التخفيضات الجمركية وحدها لا تكفي لانخفاض الأسعار

أعادت المراسيم الجمركية الصادرة في سوريا خلال عام 2026 تنظيم الرسوم المفروضة على المستوردات، عبر قانون جديد للجمارك وتعرفة جمركية معدّلة، قبل أن يأتي المرسوم رقم 188 الصادر في 12 تشرين الأول الجاري ليخفض رسوم استيراد عدد من الأجهزة الطبية
252
في المرتبة الأخيرة عربياً والـ185 عالمياً.. خبير لـ Syria One: قوة جواز السفر تتطلب بناء الثقة بالمؤسسات الرسمية وتوسيع العلاقات الدولية

في المرتبة الأخيرة عربياً والـ185 عالمياً.. خبير لـ Syria One: قوة جواز السفر تتطلب بناء الثقة بالمؤسسات الرسمية وتوسيع العلاقات الدولية

حلّ جواز السفر السوري في المرتبة الأخيرة عربياً والـ185 عالمياً، وفقاً لتصنيف منصة Passport Reports الصادر في تشرين الأول 2026، ما أعاد إلى الواجهة تصريحات سابقة لرئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع بشأن استعادة الجواز السوري مكانته وقيمته دولياً.
183
دمشق.. مؤتمر صحفي لإطلاق التقرير السنوي للحريات الصحفية في الوطن ‏العربي

دمشق.. مؤتمر صحفي لإطلاق التقرير السنوي للحريات الصحفية في الوطن ‏العربي

بدأ في فندق داما روز بدمشق، اليوم الجمعة، المؤتمر الصحفي للجنة الدائمة للحريات ‏في الاتحاد العام للصحفيين العرب، لإطلاق التقرير السنوي عن الحريات الصحفية في ‏الوطن العربي لعامي 2025-2026
123
سيرياون إعلان 7