لم تبقَ الأجهزة الذكية فقط وسيلة للترفيه أو التواصل، وإنما تحولت إلى جزء من الحياة اليومية للأطفال والمراهقين، وبينما يركز كثير من الأهالي على عدد ساعات استخدامها، يرى مختصون أن السؤال الأهم اليوم لم يعد حول كم ساعة يقضيها الطفل أمام الشاشة؟ وإنما متى يبدأ هذا الاستخدام بالتأثير في صحته النفسية وعلاقاته الاجتماعية؟
إذ يؤكد استشاري العلاج النفسي والأستاذ في جامعة دمشق، الدكتور عبد الفتاح الحميدي، في حديث خاص لـ Syria One، أن المشكلة اليوم ليست في عدد الساعات وحدها، بل في انعكاس استخدام الأجهزة الذكية على حياة الطفل أو المراهق، حيث يمكن أن تكون التكنولوجيا أداة مفيدة للتعلم والتواصل فقط في حال استُخدمت بصورة متوازنة، إلا أنها تتحول إلى مصدر قلق عندما تبدأ بالتأثير نحو أبعد من ذلك كالنوم، والتحصيل الدراسي، والعلاقات الأسرية، والنشاط البدني.
ويلفت الحميدي إلى أن هناك مؤشرات تستدعي انتباه الأهل، من أبرزها الغضب الشديد عند إيقاف الجهاز، والعزلة عن الأسرة والأصدقاء، واضطرابات النوم، إضافة إلى تراجع المستوى الدراسي، وفقدان الاهتمام بالهوايات، وقضاء معظم الوقت في العالم الرقمي على حساب الحياة الواقعية، فإذ اجتمعت هذه العلامات واستمرت، سيتحول من استخدام اعتيادي، إلى نمط قد يحتاج إلى تدخل وتوجيه مستقبلاً.
حين تصبح القيمة بعدد الإعجابات
لا يتوقف تأثير العالم الرقمي عند تنظيم الوقت، بل يمتد إلى الطريقة التي يرى بها الطفل أو المراهق نفسه.
إذ يوضح الحميدي أن مرحلتي الطفولة المتأخرة والمراهقة هما أكثر المراحل حساسية في تكوين الهوية والثقة بالنفس، لكن التعرض المستمر لصور ومقاطع تعرض حياة مثالية أو نجاحات مبالغاً فيها قد يدفع الأبناء إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين بصورة غير واقعية، وربط قيمتهم الشخصية بعدد الإعجابات أو التعليقات أو المتابعين.
إضافة إلى أن بعض الألعاب الإلكترونية قد تؤدي إلى ربط تقدير الذات بالفوز المستمر أو الإنجازات داخل اللعبة، بحيث تتحول الخسارة إلى شعور بالفشل الشخصي، وهو ما يستدعي، بحسب الحميدي، تعزيز قناعة الأبناء بأن قيمتهم الحقيقية تنبع من أخلاقهم ومهاراتهم وإنجازاتهم الواقعية، لا من المؤشرات الرقمية.
إضعاف المهارات الاجتماعية
يحذر الحميدي من أن الاعتماد المفرط على الأجهزة الذكية قد يضعف المهارات الاجتماعية التي يكتسبها الأطفال من التفاعل المباشر مع الآخرين، كالتعبير عن المشاعر، وتكوين الصداقات، وقراءة تعابير الوجه، وحل الخلافات بالحوار.
كما يضيف أن بعض الأطفال يتحدثون بطلاقة داخل الألعاب أو عبر الرسائل، لكنهم يترددون في التواصل وجهاً لوجه أو في بناء علاقات داخل المدرسة والمجتمع، مؤكداً أن الشاشة لا يمكن أن تكون بديلاً عن التجارب الإنسانية الحقيقية، لأن هذه المهارات لا تُكتسب إلا من خلال الاحتكاك المباشر بالآخرين.
التوازن لا المنع
يرى الحميدي أن الحل لا يكمن في منع الأجهزة الذكية بشكل فوري، لأنها أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، وإنما في تحقيق توازن صحي بين العالم الرقمي والواقع.
وينصح الأسر بوضع أوقات واضحة لاستخدام الأجهزة والالتزام بها، وتخصيص وقت يومي للحوار والأنشطة العائلية بعيداً عن الشاشات، وتشجيع الأطفال على الرياضة والقراءة والهوايات، والابتعاد عن الهاتف أثناء تناول الطعام وقبل النوم، إلى جانب متابعة نوعية المحتوى الذي يشاهده الأبناء، وأن يكون الوالدان قدوة في الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا.
يختتم الحميدي بالتأكيد أن التكنولوجيا ليست عدواً بحد ذاتها، وإنما تعتمد آثارها على طريقة استخدامها، مشيراً إلى أن تحقيق التوازن بين الحياة الرقمية والواقعية هو الطريق الأمثل للحفاظ على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وبناء شخصيات أكثر ثقة ومرونة وقدرة على إقامة علاقات إنسانية سليمة.






