مجتمع

العمل الإضافي.. ينقذ الأسرة أم يمزقها؟.. باحثة اجتماعية لـ Syria One:  دقائق من التواصل الفعلي أهم من ساعات دون تواصل حقيقي

30
العمل الإضافي.. ينقذ الأسرة أم يمزقها؟.. باحثة اجتماعية لـ Syria One:  دقائق من التواصل الفعلي أهم من ساعات دون تواصل حقيقينور علي

أدى ارتفاع تكاليف المعيشة إلى فرض واقع جديد على غالبية العائلات، وتحول العمل الإضافي من وسيلة لتأمين الرفاهية، إلى شرط أساسي لتلبية حاجات المعيشة وأساسياتها. وأمام هذه المعادلة الصعبة تضطر معظم الأسر للتضحية بوقتها والروابط العائلية لقاء سداد الالتزامات المادية.


أهالي أم صرافات آلية؟


نغم، سيدة سورية وأم لثلاثة أبناء في مرحلتي البكالوريا والجامعة تقول لـ Syria One: أعيش منذ سنوات تخبطاً وظيفياً، فراتبي الحكومي الذي لا يتجاوز 100 دولار يذهب كاملاً لدروس ابني في البكالوريا، ما اضطرني تحت ضغط مستلزمات ابنتيّ في كليتي الطب والفنون الجميلة للبحث عن عمل إضافي براتب 150 دولاراً.


​وتضيف واصفة أعباء يومها: يبدأ نهاري فجراً بالطهي والترتيب، ثم أتوجه لوظيفتي الحكومية لإثبات البصمة حتى الثانية ظهراً، ومنها مباشرة إلى عملي الثاني الذي يمتد أحياناً حتى الثامنة مساء. هذا الإرهاق والتنقل بين المواصلات وضغط العمل أورثني آلاماً حادة في الفقرات والركبتين ونقصاً في الفيتامينات نتيجة إهمال صحتي ووجباتي.. لم أعد أجد دقيقة واحدة لأسأل فيها نفسي عن حالي، والوقت المتبقي لأبنائي بات مجرد دقائق خاطفة. أشعر أنني تحولت إلى مجرد صراف آلي يوفر الاحتياجات المادية، بينما غاب دوري الحقيقي كأم، وكل ما أتطلع إليه هو تحسن الأجور ليغنينا عن حالة الهلع والركض المستمر خلف العمل الإضافي".


​المتضرر الأكبر هم الأطفال


​ موقع Syria One التقى الباحثة الاجتماعية عزة كردي التي قالت إن الأثر الواقع على الطفل لا يتوقف عند عدد الساعات التي يغيبها الوالدان خارج المنزل فقط، بل يرتبط بصورة أساسية بنوعية الحضور والتواصل داخل البيت.


​وعند المفاضلة بين غياب الأهل بسبب العمل وبين حضورهم الجسدي وهم منشغلون بالشاشات، ترى الباحثة كردي أنه لا يمكن التعميم، فالأثر يحكمه عمر الطفل وطبيعة العلاقة الأسرية، بيد أن الحاجة الأساسية للطفل تظل واحدة، أن يشعر بأنه مرئي ومسموع ولديه ملاذ آمن داخل أسرته.


​وتشير كردي إلى أن فقدان هذا الشعور لفترات طويلة يترجمه الطفل عبر سلوكيات متعددة، منها العصبية والتعلق الزائد بالوالدين، والانطواء وقلة التركيز مع اضطرابات النوم والهروب إلى زيادة استخدام الشاشات، و لجوء الطفل إلى سلوكيات استفزازية لجذب الانتباه، مؤكدة أن هذه العلامات لا تعني بالضرورة إصابة الطفل بمرض نفسي، بل هي رسالة تستوجب الانتباه وإعادة تنظيم الأولويات.


​فخ العمل الحر واستنزاف رابطة الزوجية


​ولا تتوقف آثار الإرهاق من العمل الإضافي عند الأطفال، بل تتجاوزهم لتضر بالعلاقة الزوجية، فمع الجمع بين وظيفتين أو أكثر، تختفي الحدود الفاصلة بين الحياة الشخصية والمهنية.


​وبحسب الباحثة كردي، فإن التعب المستمر يسلب الزوجين القدرة على الحوار الهادئ واستيعاب الخلافات، ليتحول النقاش اليومي إلى توتر وانفعال سريع، كما يتسبب هذا النمط في تراجع العلاقات الاجتماعية والزيارات الأسرية، مما يفرض على الأسرة الدخول في حالة من العزلة.


​ولمواجهة هذا الاتساع في مساحات العمل، تبين كردي لـ Syria One أن الحدود تبدأ من الاقتناع بأن الراحة واجب وليست رفاهية. وتستعرض خطوات عملية للفصل بين المجالين: كتحدديد ساعات واضحة لإيقاف العمل خارج أوقاته الرسمية، وخلق روتين ينظم الانتقال من وضع العمل إلى الوضع العائلي، مع الحذر من الفهم الخاطئ لمرونة العمل الحر، حتى لا تتحول المرونة إلى استنزاف يستمر طوال ساعات اليوم.


​ 20 دقيقة تكفي


​أمام هذه الضغوطات الاقتصادية ، تطرح كردي مفهوم جودة الوقت كحل واقعي. فالمطلوب ليس تفرغاً لعدة ساعات ، بل إن 20 دقيقة من التواصل الفعلي بعيداً عن الهواتف والتشتت الذهني، تمنح الطفل أثراً عاطفياً أكبر من قضاء ساعات طويلة بجانبه دون تواصل حقيقي، وتدعو إلى المحافظة على العادات العائلية البسيطة ، مثل المشاركة في وجبة طعام واحدة، أو الحديث لدقائق قبل النوم، لما تعكسه هذه التفاصيل من شعور بالأمان والاستقرار.. 


​لا تبحثوا عن الكمال


​في معالجة الشعور الدائم بالتقصير لدى الوالدين، تنصح كردي بضرورة التوقف عن جلد الذات، موضحة أن الظروف الاقتصادية القاهرة تفرض أعباء فوق الطاقة، وأن الشعور المستمر بالذنب يضاعف الضغط النفسي ولايحل المشكلة.


​وتلخص أدوات إدارة الضغط النفسي داخل الأسرة في عدة نقاط أساسية أهمها: التعامل مع الواقع دون تحميل النفس أعباء الذنب، والانتباه لعلامات الإرهاق قبل الانفجار غضباً، والحديث بصراحة مع الأطفال بعبارات بسيطة، مثل أنا متعب اليوم وأحتاج للراحة قليلاً، حيث يتم إشراك الأطفال في شؤون المنزل اليومية دون تحميلهم الهموم المالية، وتخصيص مساحة زمنية للزوجين بعيداً عن الحديث عن مصاريف البيت والالتزامات.


​وتختتم الأخصائية عزة كردي حديثها لـ Syria One بتوجيه رسالة للأب والأم اللذين يشعران بفقدان السيطرة: لا تبحثا عن الكمال، بل عن التوازن الممكن، وليس مطلوباً منكما التفرغ الدائم، بل التواحد الصادق عندما تكونان مع الأبناء. قد لا نملك القدرة دائماً على تخفيف أعباء الحياة الاقتصادية، لكننا نملك حتماً القدرة على تخفيف أثرها النفسي على من نحب، وهذا بحد ذاته أعلى درجات الرعاية.


مقالات ذات صلة

حاكم المركزي توقع دخول مليار دولار للسوق السورية.. خبير يشرح لـ Syria One كيف ستدخل وإلى أين ستتجه؟

حاكم المركزي توقع دخول مليار دولار للسوق السورية.. خبير يشرح لـ Syria One كيف ستدخل وإلى أين ستتجه؟

خرج علينا يوم أمس حاكم المصرف المركزي محمد صفوت ‌‏رسلان بتصريحات لافتة لواقع ومستقبل القطاع المالي والمصرفي في سوريا، ومن أهمها توقعه بتجاوز حجم رؤوس ‌‏الأموال الأجنبية الوافدة لتأسيس مصارف جديدة ‏في ‏سوريا حاجز المليار دولار خلال الفترة ‏المقبلة
12
هل يغلب الطبع التطبع دوماً؟.. أخصائية نفسية لـ Syria One: الإنسان ليس عاجزاً عن تعديل سلوكه

هل يغلب الطبع التطبع دوماً؟.. أخصائية نفسية لـ Syria One: الإنسان ليس عاجزاً عن تعديل سلوكه

يقول المثل إنّ الطبع يغلب التطبّع، وهو مثل اعتدناه منذ نعومة أظافرنا. ورغم كل تغيرات المجتمعات وتغيرات البشر، بقي الكثير من هذه الأمثال دقيقة كل الدقة، بحيث لا تحتمل التناقض ولا التعارض
13
من بقعة قهوة وملاقط غسيل إلى لوحات مدهشة.. الفنان مجد القيدي لـ Syria One: أي شيء من الممكن أن يتحول إلى لوحة

من بقعة قهوة وملاقط غسيل إلى لوحات مدهشة.. الفنان مجد القيدي لـ Syria One: أي شيء من الممكن أن يتحول إلى لوحة

من بقعة قهوة وملاقط غسيل إلى لوحات مدهشة.. الفنان مجد القيدي لـ Syria One: أي شيء من الممكن أن يتحول إلى لوحة
15
ماكينة ألمانيا تتعطل أمام اليونان وتواصل التعثر مع كلوب

ماكينة ألمانيا تتعطل أمام اليونان وتواصل التوقف مع كلوب

تعطلت ماكينة ألمانيا وتلقى المنتخب الألماني هزيمة مفاجئة على أرضه أمام اليونان بهدف دون رد، في الجولة الثانية من المستوى الأول لدوري الأمم الأوروبية، ليواصل تعثره تحت قيادة مدربه الجديد يورغن كلوب
30
زهرة النيل تخرب حياة أهل الغاب.. مدير عام هيئة تطوير الغاب لـ Syria One: مليون يورو مساعدة دولية ويتم تجريب علاج محلي للقضاء على الآفة

زهرة النيل تخرب حياة أهل الغاب.. مدير عام هيئة تطوير الغاب لـ Syria One: مليون يورو مساعدة دولية ويتم تجريب علاج محلي للقضاء على الآفة

في وقت ينتظر فيه فلاحو سهل الغاب بريف حماة الغربي مواسم الخير، تسللت نبتة زهرة النيل ذات المظهر المخادع بجماله، لتتحول إلى كابوس حقيقي يلتهم شريان الحياة في المنطقة
143
سيرياون إعلان 7