في خطوة تنظيمية تعيد توزيع مراكز القرار داخل هرم الإدارة المحلية، وتنقل جزءاً مهماً من السلطة التنفيذية من المستوى المركزي إلى مستوى المحافظة، أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة في سوريا القرار رقم /13/ لعام 2026، متضمناً تفويضاً واسعاً لصلاحيات الوزير إلى المحافظين ورؤساء مجالس مدن مراكز المحافظات.
القرار، الذي دخل حيّز النفاذ اعتباراً من 5 شباط 2026، شمل تفويضات واسعة في الشؤون التنظيمية للمجالس المحلية، والعقود والصفقات المالية، والرقابة البيئية، إضافة إلى إدارة الموارد البشرية لموظفي الفئة الأولى. وبموجبه، أصبح المحافظ المرجعية الأساسية في المصادقة على تشكيل المكاتب التنفيذية، وتوزيع المهام، والتصديق على العقود الاستثمارية والجارية ضمن سقوف مالية محددة، فضلاً عن صلاحيات التعيين والترفيع والمساءلة المسلكية.
ويمثل القرار خطوة نحو مزيد من اللامركزية الإدارية.. ولكن بحسب اختصاصيين فإن الانتقال الحقيقي نحو لامركزية فاعلة ومنتجة وقادرة على إحداث تنمية حقيقية يكون بمنح صلاحيات لرؤساء البلديات وخاصة على مستوى إدارة موارد بلدياتهم وخاصة أنهم منتخبون.
فهنا تكمن العقدة الجوهرية في معادلة الإصلاح الإداري فهل يكفي نقل الصلاحيات من الوزارة إلى المحافظ، أم أن اللامركزية الحقيقية تتطلب تمكين الوحدات الإدارية المنتخبة مالياً وإدارياً؟
الإطار المرجعي.. قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011
في عام 2009، تداعى حقوقيون اختصاصيون إلى إعداد قانون إدارة محلية، وعملوا على تضمينه صلاحيات واسعة للوحدات الإدارية من مجالس وبلدات وبلديات وفق رؤية لا مركزية تنقل السلطات والمسؤوليات لها فيما يخص شؤوناً محددة، إلا أن رأس النظام السابق رفض منح الصلاحيات الواسعة للوحدات الإدارية.
وعقب اندلاع الثورة السورية في 18 آذار/مارس 2011 وتبيان المواقف الدولية منها، عمل الرئيس السابق على مبدأ النكاية، وأقرّ القانون 107 في آب/أغسطس للتلويح بالورقة الكردية، وإعطاء صلاحيات للأحزاب الكردية في الجزيرة السورية على الحدود مع تركيا.
القانون 107 يقوم على اللامركزية الإدارية، ويمنح المحافظات والمجالس المحلية صلاحيات واسعة بإدارة شؤونها، كما يمنحها استقلالاً مالياً وإدارياً نسبياً.
كما يقوم على انتخاب مجالس محلية، ويُعطى فيه المحافظ دوراً رقابياً بدل الهيمنة الكاملة، مؤكداً أن القانون الذي صدر في 2011 بقي معطلاً فعلياً بسبب سيطرة الأجهزة الأمنية.
لذلك، بين المصطلحات الواردة بالقانون والتطبيق الفعلي لمواده فرق كبير، فالقانون 107 يقدم رؤية لا مركزية تنقل السلطات والمسؤوليات إلى مجالس محلية منتخبة ذات استقلال إداري ومالي، تجعل البلديات والمدن والمحافظات مسؤولة مباشرة عن الخدمات والتنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ضمن نطاقها، مع بقاء التخطيط الاستراتيجي والتشريع والمشروعات الكبرى بيد المركز، كما يعزز إيرادات الوحدات ويشرك المجتمعات في إدارة الموارد ورفع مستوى المعيشة.
يهدف القانون ببنوده إلى تمكين التخطيط والتنفيذ محلياً، وتعزيز الإيرادات التنموية، وتبسيط الإجراءات، والتحول الرقمي، والنهوض بالمجتمع في إطاره المحلي وتكافؤ الفرص بين المناطق عن طريق تكريس التعاون المشترك بين الوحدات الإدارية من خلال إحداث إدارات مشتركة تستطيع أن تنفذ برامج ومشروعات كبرى بشكل كفء وفاعل،
إضافة إلى تبسيط الإجراءات لتأمين الخدمات عن طريق إنشاء مراكز خدمة للمواطن تختص بمنح الرخص الإدارية في مجالس المدن وخدمات السجل المدني والعدلي وصولًا إلى خدمات الحكومة الإلكترونية لتوفير المال والجهد والوقت.
ويكون لكل وحدة إدارية مجلس يتألف من أعضاء منتخبين وفق أحكام قانون الانتخابات العامة، بحيث لا يقل مجلس المحافظة عن خمسين عضواً ولا يزيد على مئة عضو، ومجلس المدينة لا يقل عن خمسة وعشرين عضواً ولا يزيد على خمسين عضواً، ومجلس البلدة لا يقل عن عشرة أعضاء ولا يزيد على خمسة وعشرين عضواً، ومجلس البلدية عشرة أعضاء.
رأي أهل الاختصاص بعد صدور القرار رقم 13
حول جوهر "المشروعية القانونية" للقرار يقول مجموعة من الاختصاصيين الحقوقيين لـ Syria one : إنه في سوريا عدة نصوص مرجعية في القوانين السورية قد تجعل من منح المحافظ صلاحية البت في شؤون عاملي الفئة الأولى والتي تشمل المديرين المركزيين، الأطباء، المهندسين، وغيرهم من ذوي الشهادات العليا محل جدل قانوني واسع، بل وقد تُعتبر "تجاوزاً" لأنها تتعارض مع قانون العاملين الأساسي (القانون رقم 50 لعام 2004) حيث يعتبر قانون العاملين الأساسي هو "الدستور الوظيفي" في سوريا حيث تنص أحكام هذا القانون على أن سلطة التعيين هي التي تملك سلطة النقل والترفيع والتسريح.
وبما أن عاملي الفئة الأولى يُعينون بقرار من رئيس مجلس الوزراء (لبعض المناصب) أو الوزير المختص، فإن تفويض هذه الصلاحية للمحافظ قد يخلق خللاً في "تراتبية السلطة.
ويضيف أهل الاختصاص بالقول: إن القانون 50 يسمح بالتفويض، ولكن جرى العرف القانوني أن التفويض يكون للمرؤوس المباشر (معاون الوزير أو المدير العام)، بينما المحافظ يتبع إدارياً لوزارة الإدارة المحلية وليس للوزارة الفنية التي يتبع لها الموظف (مثل وزارة الأشغال أو الصحة).
وبوجود مبدأ توازي الاختصاص في القانون الإداري السوري فهذا يعني أن الصك القانوني (القرار) لا يمكن إلغاؤه أو تعديله (بما في ذلك نقل الموظف) إلا بصك من نفس الدرجة أو أعلى، وهنا تكمن الإشكالية فإذا كان الموظف قد عُين بقرار وزاري، فمن المشكوك فيه قانوناً أن يملك المحافظ (الذي هو بدرجة أدنى من الوزير في الهيكل التنظيمي للدولة) سلطة نقله أو قبول استقالته، إلا إذا اعتبرنا "التفويض" مبرراً كافياً، وهو أمر يطعن فيه الكثير من المحامين أمام القضاء الإداري (مجلس الدولة).
وحول استقلالية الوحدات الإدارية وفق (قانون الإدارة المحلية 107) يقول الاختصاصيون القانونيون إن المفارقة هنا أن القانون 107 نفسه، الذي استند إليه القرار 13ن، يؤكد على استقلالية الوحدات الإدارية (البلديات).
فمنح المحافظ صلاحية التحكم بمصير موظفي الفئة الأولى داخل "بلدية" التي هي (سلطة منتخبة) يُضعف من "شخصيتها الاعتبارية"، فالمفترض أن رئيس مجلس المدينة هو "الرئيس الإداري" الأعلى لموظفيه، وتدخل المحافظ في نقلهم أو تعيينهم يُعتبر افتئاتاً على صلاحيات المجالس المحلية المنتخبة.
وفي سوريا، استقر اجتهاد محكمة القضاء الإداري (مجلس الدولة) على أن التفويض في الصلاحيات "الشخصية" (مثل التعيين والنقل وحقوق الموظفين) يجب أن يكون ضيقاً جداً وواضحاً.
وغالبًا ما تُلغي المحكمة الإدارية قرارات النقل أو كف اليد إذا ثبت أنها اتخذت من قبل جهة "مفوضة" تجاوزت حدود التفويض أو استخدمته بشكل "تعسفي"، خاصة وأن المحافظ قد لا يمتلك المعايير الفنية لتقييم موظف فئة أولى في قطاع تخصصي (كالهندسة أو البيئة).
وفيما يخص قانون حماية البيئة (المشار إليه في مقدمة القرار) يقول أهل الاختصاص إن القرار 13ن أشار إلى قانون حماية البيئة رقم 12 لعام 2012، وهذا القانون يعطي لوزير البيئة حصراً صلاحيات معينة لا يجوز تفويضها إلا بنص صريح في صلب القانون نفسه، وتفويضها للمحافظ بموجب "قرار وزاري" وليس "قانون" قد يُعد عيباً في الاختصاص.
لذلك يعتبر القرار رقم (13)ن محاولة لفرض واقع إداري جديد يهدف للسرعة، لكنه من الناحية القانونية الصرفة يواجه مطبات جدية من حيث عيب الاختصاص لتجاوزه سلطة الوزير والوزارات الفنية الأخرى، ومخالفة روح القانون 107 الذي يهدف لتمكين "المجالس المنتخبة" وليس "المحافظ المعين". إضافة إلى قابلية الطعن حيث أن هذا القرار يجعل قرارات المحافظ بخصوص الفئة الأولى (مثل الاستقالة أو كف اليد المذكورة في المادة 11) عرضة للإلغاء أمام مجلس الدولة بسهولة إذا ما طعن بها الموظف المتضرر.






