مجتمع

امتحان واحد وقدرات مختلفة.. كيف تظلم أوراق الشهادات العامة طلاب "صعوبات التعلم"؟

46
امتحان واحد وقدرات مختلفة.. كيف تظلم أوراق الشهادات العامة طلاب "صعوبات التعلم"؟لميس حسين

ينتهي العام الدراسي وتُفتح قاعات الامتحانات العامة في سوريا تحت شعار المساواة بين الجميع: ورقة واحدة، توقيت واحد، وظروف واحدة. 


غير أن هذه المساواة الظاهرية تحجب خلفها واقعاً معقداً يواجه مئات الطلاب من ذوي "صعوبات التعلم المحددة" إذ يتحول المظهر الشكلي للعدالة الامتحانية إلى عائق حقيقي يمنع الطالب من إظهار معرفته الفعلية، محولاً الصعوبة النمائية في القراءة أو التعبير إلى خسارة في الدرجات لا تعكس مستواه العلمي الحقيقي.


وفي تصريحات خاصة لـ Syria One، تفتح الخبيرة التربوية روعة الكنج هذا الملف الإنساني والتربوي، مفككة أبعاد الفجوة الحاصلة بين مجرد تقديم "تسهيلات شكلية" في القاعة الامتحانية، وبين إقرار "تكييف امتحاني شامـل" يحقق تكافؤ الفرص دون الإخلال بجدية الشهادة الرسمية.


الفرق بين التسهيلات الشكلية وتكييف المادة الامتحانية


توضح الخبيرة التربوية روعة الكنج لـ Syria One أن هناك فرقاً جوهرياً ومفصلياً بين التسهيلات الشكلية وتكييف المادة، مبينة أن التسهيلات الشكلية تقتصر على تغيير ظروف أداء الامتحان دون المساس بتركيب الورقة نفسها أو طريقة بنائها، كمنح الطالب وقتاً إضافياً، أو توفير قاعة هادئة ومقعد مناسب، أو تخصيص كاتب عند الحاجة، أو مترجم لغة إشارة، وتكبير الخط وتسهيلات حركية.


وأوضحت الكنج أن تكييف المادة أو الأداة الامتحانية يتدخل مباشرة في طريقة تقديم السؤال والوصول إليه والإجابة عنه، مع المحافظة التامة على الكفاية العلمية المراد قياسها، ويشمل ذلك تخفيف التعقيد اللغوي غير الضروري، فصل التعليمات عن نص السؤال، تقسيم الأسئلة الطويلة إلى أجزاء واضحة، زيادة المسافات البصرية وإزالة ازدحام الصفحة، وإبراز الكلمات المفتاحية دون إعطاء الحل، إضافة إلى توفير أشكال استجابة بديلة عندما لا تكون الكتابة هي المهارة المقاسة، أو استخدام القراءة الصوتية في مادة لا تكون القدرة على القراءة موضوع قياسها، مشددة على أن التكييف لا يعني امتحاناً أسهل ولا يخفض معيار النجاح، بل يهدف حصراً إلى إزالة العائق الذي لا علاقة له بالكفاية المستهدفة.


غياب تكافؤ الفرص وأزمة المساواة الشكلية


وبينت الكنج أن المنطق السائد حالياً يستند إلى مساواة شكلية تقوم على معادلة خاطئة مفادها أن منح نفس الورقة ونفس الوقت ونفس طريقة الإجابة يحقق العدالة، مشيرة إلى أن حجة عدم القدرة على التعديل بين الطلاب تعكس غياب المعرفة والتخصص، إذ إن السعي للعدالة بافتراض أن غالبية الطلاب في المستوى المتوسط يؤدي حكماً إلى ظلم هذه الفئة، بينما العدالة التربوية تتطلب العكس تماماً.


وضربت الكنج مثلاً توضيحياً بسؤال في مادة التاريخ يهدف لقياس معرفة الطالب بأسباب حدث معين، لكنه صيغ بفقرة طويلة ومعقدة، فالطالب المصاب بعسر القراءة قد يعرف الأسباب تماماً، لكنه يفقد العلامة لأن الوصول اللغوي للأسئلة يقف كحاجز حقيقي. 


وفي هذه الحالة تصبح العلامة قياساً للمعرفة التاريخية مضافاً إليها سرعة فك الرموز، طلاقة القراءة، الذاكرة العاملة، وتحمل الضغط النفسي، بينما المفروض قياس المعرفة التاريخية فقط، وأضافت الكنج أن هذا الخلل في القياس النفسي يُدخل عوامل غير مقصودة في الدرجة، مما يعني أن الاختبار لم يعد يقيس البناء المستهدف وحده، مؤكدة أنه إذا كانت المهارة المتأثرة هي نفسها محل القياس فلا يجوز إزالتها كاختبار القراءة نفسه، أما في مواد كالفيزياء فإن قراءة المسألة المعقدة تشكل حاجزاً غير جوهري إذا كان الهدف قياس التفكير الفيزيائي.


التناقض مع التشريعات المحلية والمواثيق الدولية


وأشارت الخبيرة التربوية عبر Syria One إلى التناقض الحاصل مع الأطر التشريعية، موضحة أن سوريا صادقت على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في عشرة تموز عام 2009، وتؤكد المادة الرابعة والعشرون منها على التعليم الدامج وتكافؤ الفرص ومراعاة الاحتياجات الفردية وتوفير الدعم اللازم، كما يوضح التعليق العام رقم أربعة للجنة الاتفاقية أن التعليم الدامج حق قائم على عدم التمييز وليس مجرد وجود الطفل داخل الصف، يضاف إلى ذلك المادة الثانية عشرة من الإعلان الدستوري لعام 2025 التي تعتبر الاتفاقيات الدولية جزءاً لا يتجزأ من الإعلان الدستوري، بجانب المادة الثانية والعشرين الضامنة لحق التعليم.


ولفتت الكنج إلى دليل عملي جرى في نيسان 2025 حين اعتمدت وزارتا التربية والشؤون الاجتماعية ترتيبات امتحانية للطلاب ذوي الإعاقة السمعية شملت مترجمي لغة الإشارة وقاعات مهيأة ودعماً نفسياً، قُدمت كبديل لتحقيق المساواة، وصاغت الكنج التناقض بكون النظام التعليمي يعترف من حيث المبدأ بأن العدالة تتطلب اختلاف وسيلة الوصول للامتحان، لكنه لم يتحول بعد إلى منظومة وطنية متكاملة للتعرف على صعوبات التعلم وتحديد تكييفات امتحانية فردية لها وفق الاتفاقيات الدولية كإعلان سلامنكا وحقوق الطفل.


واقع الجاهزية التشخيصية وفجوة الأطر الوطنية


وفي حديثها لـ Syria One، كشفت الكنج أنه رغم وجود بنية للتعليم الدامج أعلنت وزارة التربية من خلالها في نيسان 2025 عن وجود 3726 تلميذاً من ذوي الإعاقة ضمن 359 مدرسة وروضة دامجة في اثنتي عشرة محافظة، وتوافر آليات فحص وإحالة لدى منظمة اليونيسيف لإعاقات بصرية وسمعية وحركية وتوحد، إلا أن البنية تظل هشة والعمل جارٍ على بناء فريق وطني وتطوير خطة تنفيذية، وسط استمرار مشكلات المدارس المتضررة والمكتظة.


والأهم من ذلك هو عدم وجود نظام وطني منشور ومتكامل خاص بـ "صعوبات التعلم المحدد" يحدد أدوات التشخيص، الجهات المخولة، المواعيد السابقة للشهادة، درجات الشدة، والتكييف المقابل. 


وتبرز مشكلة تشريعية حقيقية بخلو الكود الوطني للإعاقة بوزارة الشؤون الاجتماعية، بما فيه المرسوم رقم تسعة عشر لعام 2024 والتصنيف الملحق به، من أي ذكر لصعوبات التعلم كفئة مستقلة، مما يتطلب حسم سؤال أساسي حول تحديد الجهة التي تقرر استحقاق الطالب للتكييف وبأي أداة، مع منع التشخيص المتأخر أو المستغل لأغراض امتحانية.


تطوير الورقة الامتحانية الدامجة والتصميم الشامل


وحول كيفية بناء ورقة امتحانية دامجة دون المساس بنزاهة الشهادات، أوضحت الكنج لـ Syria One أن الهدف ليس صنع أوراق منفصلة للطلاب، بل بناء الورقة الأصلية وفق مبادئ التصميم الشامل وإضافة ترتيبات فردية لمن تتواصل لديهم الحواجز، وتشمل مقترحات التكييف صياغة تعليمات قصيرة ومباشرة، وضع سؤال واحد واضح في كل وحدة بصرية مع مساحات بيضاء كافية، وتجنب الجمل المركبة والصياغات الملتبسة عندما لا تكون اللغة هي موضوع الاختبار.


كما تتضمن المقترحات الترقيم الواضح للأجزاء وعدم وضع عدة أوامر داخل فقرة واحدة، إبراز البنية البصرية للرسوم والجداول، وتطوير نسخ متكافئة تقيس نفس الكفايات وبنفس درجة الصعوبة، وتؤكد الكنج على أهمية السماح بتكييفات فردية محددة مسبقاً كالوقت الإضافي، استخدام الحاسوب، أو طرق إجابة بديلة، مع حظر التكييف الذي يكشف الإجابة أو يحذف المهارة الأساسية المقاسة.


الآثار التراكمية النفسية والاجتماعية والاقتصادية


وشددت كنج على أن المعاناة لا تبدأ ولا تنتهي بانخفاض العلامة، بل هي معاناة وجدانية وذهنية ومادية واجتماعية شاملة، فعلى الصعيد النفسي، يؤدي تكرار تجارب الفشل في اختبار لا يتيح إظهار القدرة إلى انخفاض الكفاءة الذاتية، القلق الامتحاني، وتبني هوية أكاديمية قائمة على الفشل عبر استنتاج الطفل أنه غير قادر، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في أداة القياس.


أما اجتماعياً، فتظهر المقارنات الضارة مع الأقران، الوصمة المجتمعية بتفسير الصعوبة ككسل أو ضعف ذكاء، والتوتر الأسري الشديد. وتعليمياً يتسبب التقييم غير المتكافئ في الرسوب، تكرار السنوات، التسرب، أو اختيار مسارات أدنى من الإمكانات الحقيقية. واقتصادياً، في نظام تحدد فيه الشهادة العامة المسار المستقبلي، تتحول العلامة إلى بوابة للتعليم الجامعي والمهنة، وبالتالي فإن انحياز القياس ينتج فرصاً تعليمية ومهنية ودخلاً مستقبلياً أقل، مما يجعل القضية قضية عدالة اجتماعية وليست مجرد تقنية امتحانية.


خارطة طريق للانتقال نحو التقييم الدامج الشامل


واختتمت الكنج تصريحها لـ Syria One بطرح رؤية واقعية للإصلاح التدريجي تبدأ بالاعتراف والتعريف عبر اعتماد تعريف وطني واضح لصعوبات التعلم المحددة والتمييز بينها وبين التأخر الدراسي والإعاقة الذهنية والحرمان الاجتماعي، تلي ذلك مرحلة بناء بروتوكول تشخيص وطني يحدد الجهات والأدوات المخولة بالتشخيص والاعتماد قبل سنوات من امتحانات الشهادة العامة، مع اعتماد سجل تراكمي موثق لصعوبة الطالب والتدخلات المستخدمة بدلاً من التقارير الطبية الطارئة.


كما تتضمن الخارطة وضع مصفوفة تكييفات وطنية تربط نوع الصعوبة وأثرها الوظيفي بالتكييف الممكن والمواد المسموح أو الممنوع تطبيقه فيها، وإعادة تصميم الورقة العامة لدمج مبادئ الوضوح البصري واللغوي والتصميم الشامل ضمن بنوك الأسئلة التي تعمل وزارة التربية على إنشائها، وتكتمل هذه الرؤية بإجراء تطبيق تجريبي للنموذج في عدد محدد من المحافظات والمواد لمقارنة الأداء والصدق والنزاهة، تشكيل لجنة وطنية مشتركة تضم خبراء القياس والتربية الخاصة وعلم النفس والمناهج والقانون، ضمان النزاهة وحصر التكييف بالأثر الوظيفي الموثق، وإيجاد نظام اعتراض ومراجعة رسمي لقرارات رفض التكييف لضمان عدم تركها لقرارات إدارية غير قابلة للنقاش.


مقالات ذات صلة

لليوم الثاني.. تواصل امتحانات الدورة الاستثنائية لطلاب محافظة السويداء

لليوم الثاني.. تواصل امتحانات الدورة الاستثنائية لطلاب محافظة السويداء

واصل طلاب محافظة السويداء القادمون من دمشق وريفها ‏اليوم الأحد، ‏تقديم امتحانات الدورة الاستثنائية لشهادتي ‏التعليم الأساسي والثانوية العامة ‏بفروعها لليوم الثاني ‏على التوالي
49
الدورة الامتحانية الاستثنائية لطلبة السويداء مستمرة وفق برنامجها المقرر

الدورة الامتحانية الاستثنائية لطلبة السويداء مستمرة وفق برنامجها المقرر

أكدت وزارة التربية والتعليم استمرار الدورة الامتحانية الاستثنائية لطلاب السويداء ‏التي بدأت اليوم السبت في مراكز امتحانية بريف المحافظة الشمالي وفق برنامجها ‏المقرر
116
قمر الحفش يضاهي الدموي.. قمر الذرة الخضراء يعلن آواخر الصيف

قمر الحفش يضاهي الدموي.. قمر الذرة الخضراء يعلن آواخر الصيف

شهدت السماء في مناطق واسعة من العالم قمر الحفش أو قمر الذرة الخضراء، وهو واحد من أبرز المشاهد الفلكية لهذا العام
76
"أبو سعد" يعبر سماء سوريا.. باحث لـ Syria One: هجرة طبيعية لا تعني خريفاً مبكراً والصيد يحتاج لرقابة!

"أبو سعد" يعبر سماء سوريا.. باحث لـ Syria One: هجرة طبيعية لا تعني خريفاً مبكراً والصيد يحتاج لرقابة!

شهدت سماء سوريا، خلال الأيام القليلة الماضية، عبور أسراب من طائر اللقلق، المعروف بـ (أبو سعد) في اللهجة السورية العامية، المهاجر في رحلته السنوية، إلا أن بعض الأهالي، اعتبروا أن هذا العبور "مبكر"، وسط تساؤلات حول علاقة
119
السويداء.. انتهاء تجهيز 27 مركزا امتحانيا للدورة الاستثنائية

السويداء.. انتهاء تجهيز 27 مركزا امتحانيا للدورة الاستثنائية

أنهت محافظة السويداء تجهيز المراكز الامتحانية المعتمدة للدورة الاستثنائية لطلاب ‏شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة، مع مراعاة كل اشتراطات الجودة، لتكون على ‏أتم الجاهزية لاستقبال الطلاب، وتوفير أجواء ملائمة لأداء امتحاناتهم المقرر انطلاقها ‏يوم غد السبت، في ريف المحافظة الشمالي
182
سيرياون إعلان 7