يتساءل مؤخراً العديد من السوريين عن سبب بطء انتشار العملة السورية الجديدة في الأسواق (انتشار محدود)، وحول ما إذا يعتبر طبيعي، على الرغم من مرور نحو شهر على طرحها.
قال الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي لـ Syria One: "إن قلة توفر العملة السورية الجديدة في الأسواق مرتبطة بعوامل عديدة ومعقدة، وبالتالي لمعرفة الأسباب علينا الإضاءة على الجوانب الهيكلية والسياسات النقدية والعوامل النفسية والمجتمعية وشمولها واقع الاقتصاد والبيئة الاقتصادية والسياسية المحيطة".
وأضاف كويفي: "من المنظور الاقتصادي لطرح العملة السورية الجديدة وبطء الانتشار؛ عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي المستدام مما يؤثر على ثقة المستهلكين والتجار، وضعف البنية التحتية النقدية حيث تتجلى محدودية أجهزة الصراف الآلي، ونقاط الدفع الإلكتروني، وصعوبة توفير السيولة النقدية الجديدة، كما أن التخوف من التضخم يدفع الجمهور للاحتفاظ بالعملات الصعبة أو الذهب أو السلع كملاذ آمن".
وتابع: "ولعل أهم نقطة هي عدم استكمال الدورة النقدية، فقد تكون كميات العملة الجديدة المتداولة غير كافية لأنها تتوازى مع عمليات سحب العملة القديمة وإتلافها وهذه العملية تتطلب تضافر جهود مؤسسات عديدة للقيام بهذه العملية ووفق تنسيق وبرنامج محدد وشفافية عالية".
وأشار إلى أن ذلك يتخلله تعقيدات لوجستية عديدة منها صعوبة توزيع العملة على نطاق واسع في مناطق مختلفة، خاصة مع تحديات الأمن والنقل.
وأضاف الباحث: "باعتقادي أن هذا البطء طبيعي ولكن غير مقبول الاستمرار عليه.. من منظور تجارب مماثلة لدول تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، يكون انتقال العملة تدريجياً وقد يستغرق عدة أشهر، فالتجارب الناجحة عادةً ما ترتبط بتحسينات ملموسة في الظروف الاقتصادية الكلية، كما أن رفع ثقافة المجتمع لاستخدام العملة الجديدة وفق القيمة الحقيقية لها يتطلب فترة زمنية لسلاسة الاستخدام ومرونة التعامل من قبل الجمهور".
تأثير طرح العملة الجديدة على الكتلة النقدية ومعدلات التضخم
قال الباحث باسل كويفي لـ Syria One: "لا بدّ من متابعة دقيقة وحقيقية للبنك المركزي والمؤسسات ذات العلاقة بالقطاع المالي، عن تأثير العملة الجديدة على الكتلة النقدية والتضخم فكمية العملة الجديدة المصدرة مقابل المسحوبة يستوجب أعلى معايير الدقة وتنظيم محاضر إتلاف للعملة القديمة تساوي قيمة كمية الكتلة النقدية الجديدة المطروحة للحذر من أي زيادة تضخمية، فعملية الاستبدال محايدة (عملة جديدة مقابل قديمة بنفس القيمة)، يعزز ثقة السوق في قدرة الحكومة على إدارة السياسة النقدية والمالية، مع ما يرافق ذلك سياسات نقدية ومالية شفافة وذات مصداقية وحوكمة".
وأضاف: "فالمراقبة هامة ومؤشراتها تتوضح من خلال سرعة تداول العملة الجديدة مقابل القديمة، وسعر الصرف الموازي للعملة الجديدة، وتقييد معدلات التضخم الشهرية ضمن الحدود المسموحة، وثبات القوة الشرائية للعملة الجديدة، وتحفيز استخدام العملة الجديدة في المعاملات اليومية".
وتابع: "باعتقادي أن مؤسسات الدولة ذات العائد المرتفع (كهرباء، وقود، اتصالات، جمارك، المالية..) يتوجب عليها عدم الاحتفاظ بالعملة القديمة لديها وتسليمها إلى البنك المركزي مباشرة بدلاً من البنوك العامة أو الخاصة (وبشكل استثنائي لفترة 6 أشهر تقريباً) لتخفيف المخاطر المتعددة من إعادة تسليم العملة القديمة إلى المتعاملين، وبذلك يقوم البنك المركزي بتسليم العملة الجديدة إلى البنوك العامة والخاصة وفق القيمة المستلمة من المؤسسات الحكومية، وبذلك يكون الاستبدال آمن وسريع ويمكن أن تنتهي في فترة أقل من نهاية العام، إذا تم صرف أجور الموظفين والرواتب التقاعدية فقط بالعملة الجديدة أيضاً".
كيفية تعزيز الثقة النقدية في ظل الواقع الاقتصادي الراهن
أشار الباحث الاقتصادي إلى أن دور الثقة النقدية والسلوك المجتمعي يأتي كعامل حاسم في نجاح أي عملة، وتتوضح تأثيراتها من تاريخ السياسات النقدية السابقة (سلبية) والاستقرار السياسي والأمني، والقدرة على الحفاظ على القيمة الشرائية؛ مما يتطلب تعزيز الثقة في الواقع الاقتصادي الراهن، عبر سياسات نقدية مسؤولة وتجنب التمويل العشوائي للعجز، مع الشفافية في إعلان أهداف واضحة للسياسة النقدية وآليات تحقيقها، وحوكمة مؤسسية تعزز استقلالية نسبية للمؤسسة النقدية".
وأضاف: "ويجب معالجة الأسباب الهيكلية للتضخم (عجز الموازنة، انخفاض الإنتاج)، مع حملات توعية مجتمعية لشرح فوائد العملة الجديدة وآليات التعامل معها، وتسهيل المعاملات عبر تطوير أنظمة دفع إلكترونية لزيادة الكفاءة".
وختم الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية المهندس باسل كويفي كلامه لـ Syria One قائلا: "إن الاستقرار الاقتصادي المستدام كفيل باستقرار مالي مستدام ويعزز ذلك عوامل الأمن والسلام والتنمية بما يحقق الازدهار والتقدم لسوريا وشعبها".
طرح العملة السورية الجديدة
في 1 كانون الثاني/يناير 2026، بدأت عملية تداول العملة السورية الجديدة رسمياً، في إطار مساعٍ حكومية لتعزيز الاستقرار المالي وتحسين بيئة الأعمال في البلاد، واعتبرت الأوساط الاقتصادية والتجارية هذه الخطوة نقلة نوعية تهدف إلى تبسيط المعاملات اليومية، وتوفير مناخ أكثر جذباً للاستثمارات، بما يسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية على المستوى الوطني.
وبيّن حاكم مصرف سوريا المركزي حينها أنه بحسب أحكام القانون رقم 23 لعام 2002، المعدل وفق المرسوم التشريعي رقم 293 لعام 2025، أصبحت "الليرة الجديدة" هي الوحدة القياسية للنقد السوري، وتنقسم إلى 100 قرش، ويُسمح باستخدام أجزاء الليرة في تسعير السلع، على أن يتم تقريب المبلغ النهائي لأقرب فئة متداولة عند الدفع.
وتتضمن المرحلة الحالية سحب فئات 1000 و2000 و5000 ليرة قديمة من التداول، في حين تستمر باقي الفئات بالتداول إلى حين صدور إشعار رسمي بسحبها، ويُسمح خلال فترة التعايش باستخدام الفئات القديمة التي لم تُستبدل بعد، إلى جانب الجديدة.






