في ظل الحروب التي شهدها العالم عبر العقود، والتي ما تزال مستمرة حتى يومنا هذا، لم تكن الخسائر مقتصرة على الأرواح والبنى التحتية، بل امتدت إلى نفسية الأفراد، فمشاهد الدمار والعنف، وما يرافقها من فقد وتشريد، تترك آثاراً طويلة الأمد تتجلى في القلق والاكتئاب والخوف، فعندما تنتهي الحرب تستمر تداعياتها داخل الإنسان.
وللحرب السورية، التي اندلعت منذ أكثر من عقد، آثار عدة على السوريين، حيث بات الخوف والقلق جزءاً من الحياة اليومية، وتحوّلت الذكريات المؤلمة إلى عبء ثقيل يرافق الأفراد في تفاصيلهم الصغيرة، وسط تأكيدات من الخبراء النفسيين عن مخاطر الحروب وتأثيرها على المجتمعات، لاسيما مع اندلاع الحرب الإقليمية منذ أكثر من شهر، وسط حالة ترقب وخوف من المستقبل الذي بات مجهولاً في ظل الظروف المتغيرة بشكل يومي.
الأخصائية والباحثة الاجتماعية، غدران نجم، تقول لـ Syria One: "إن ما مرّ به المجتمع السوري من حروب وأزمات على مختلف الأصعدة في السنين الماضية شكل زلزالاً وجودياً أعاد تشكيل السيكولوجية الجمعية السورية إن صح التعبير، فآثار الحرب لا تقتصر على الدمار المادي بل تمتد لتخلق ما نسميه جروحاً غير مرئية، حيث واجه المجتمع في سوريا بمختلف أطيافه وتركيبته السكانية مزيجاً من الصدمات الحادة، من قصف وفقدان وصدمات مستمرة، بالإضافة إلى الفقر والنزوح.. الخ".
وللمشاهد العنيفة و المؤلمة حصة كبيرة في ترك أثر عميق من الصعب تجاوزه بحسب نجم التي أضافت: "إن أردنا التفصيل فإن البالغين المتعرضين باستمرار لهذه المشاهد يتعرضون لضغوطات جسيمة تتحول لديهم غالباً إلى سلوكيات عنف منزلي أو تبلد في المشاعر، فبتنا نلاحظ تحولاً من التخطيط للمستقبل إلى عقلية البقاء ما يؤدي لإهمال الاحتياجات العاطفية للأسرة مقابل تأمين لقمة العيش، أما المراهقين، فهم الفئة الأكثر عرضة لاضطراب الهوية والتمرد العنيف، وبات من الملاحظ عليهم الارتفاع في ممارسة السلوكيات الخطرة كالتدخين وتعاطي المواد المضرة كنوع من الهروب، حتى أن نسبة منهم باتوا يفضلون الانضمام لمجموعات عنيفة بحثاً عن القوة المفقودة".
وذكرت أن الأطفال باتوا يعانون من السلوكيات الانتكاسية الارتدادية مثل التبول اللاإرادي بنسب عالية، حيث أشارت دراسة لمنظمة Save the Children إلى أن 71% من الأطفال السوريين يعانون من هذه المشكلة نتيجة التوتر السام كما يميلون للعدوانية في اللعب أو العزلة التامة، ناهيك عن فئة كبار السن التي تعاني من التهميش النفسي، حيث فقد الكثير منهم دورهم كمرجعية للعائلة بسبب التشتت، مما ولد لديهم شعوراً بأنهم عبء ولا جدوى منهم فتدهورت حالتهم الصحية الجسدية والنفسية وارتفعت نسب معاناتهم من الامراض المزمنة المرتبطة بالتوتر".
وتابعت نجم: "كُثر ممن يعتقدون أن الصدمة تنتهي بانتهاء الحرب لكن للأسف الموضوع أعمق من ذلك.. الحرب في سوريا خلقت جيلاً كاملاً يعيش في حالة توتر سام حيث يرتفع الكورتيزول (هرمون التوتر) بشكل مزمن، مما يعيد تشكيل دماغ الطفل ويجعله أكثر عرضة للإدمان والاكتئاب والعنف في مرحلة البلوغ".
وتؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO) أن النزاعات والحروب تُضاعف انتشار الاضطرابات النفسية عموماً، ومنها الاكتئاب الذي تجاوزت نسبته عالمياً ما يقارب الـ 3.8% إلى 5% من سكان العالم، وفي سوريا بالذات، بحسب ما بينته الأخصائية، حيث تشير الدراسات إلى أن من بين كل 5 أشخاص هناك شخص واحد على الأقل يعاني اضطراباً نفسياً ومنها الاكتئاب الذي تتراوح حدته ما بين المتوسط إلى القلق، ومن بين كل 30 شخص هناك واحد يعاني اكتئاباً حاداً أو اضطراباً ذهانياً، وهذه نسب مقلقة للغاية خاصة بعد تصدر سوريا في بعض التقارير الدولية لعام 2025 قائمة الدول الأعلى في معدلات الاكتئاب بنسبة تقريبية تصل إلى 8.44% كتشخيصات سريرية واضحة، وهي من أعلى النسب عالمياً، وعند البحث سنجد أن 75% من المصابين باضطرابات نفسية لا يتلقون أي علاج، و90% من السوريين تحت خط الفقر ما يفاقم الأزمة النفسية و يحول دون الوصول للخدمات الصحية، وبالتالي هذه "أرقام مرعبة"، بحسب وصفها.
واعتبرت الباحثة الاجتماعية غدران نجم، أن مواجهة الاكتئاب والآثار السلوكية للحروب والنزاعات في سوريا تتطلب ما هو أكثر من العلاج الدوائي، وباتت تتطلب إعادة بناء الأمان الاجتماعي وهنا دور الأخصائيين النفسيين والتربويين والاجتماعيين في المساندة والتمكين من تحويل الصدمة إلى نمو ما بعد الصدمة من خلال تعزيز المرونة النفسية وتأمين مساحات آمنة للتعبير، وربما هنا تبرز الحاجة الماسة لإعداد الكوادر وتدريبها وتسهيل عملها في تقديم الخدمة النفسية، فالتدخل المبكر هو المفتاح، خاصة للأطفال دون 6 سنوات، كما يجب تفعيل برامج الدعم النفسي الجماعي للأمهات، لأن الأم المستقرة نفسياً هي خط الدفاع الأول، وذلك بالتزامن مع إعادة تأهيل المدارس كمساحات آمنة نفسياً ليس فقط أكاديمياً، ووجود برامج متخصصة للمراهقين لتوجيه سلوك المخاطرة لديهم نحو قنوات إيجابية".






