اكتسبت عودة الحكومة السورية إلى إدارة مطار القامشلي الدولي أهمية سياسية وعسكرية واقتصادية تعيد تسليط الضوء على واحد من أبرز المرافق الحيوية في الجزيرة السورية، فالمطار يشكّل نقطة وصل أساسية بين الحسكة ودمشق، ومحوراً استراتيجياً يربط المنطقة ببقية المحافظات وبالدول المجاورة.
لتعلن الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سورية تنفيذ مرحلة جديدة من أعمال تطوير مطار القامشلي الدولي، ضمن برنامج يهدف إلى رفع مستوى الجاهزية الفنية للمطار وإعادته للعمل بكامل قدرته التشغيلية، بما ينسجم مع المعايير الدولية المعتمدة في قطاع الطيران المدني.
مطار القامشلي.. موقع استراتيجي يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية
يقع مطار القامشلي الدولي في أقصى شمال شرق سوريا، على مقربة من الحدود التركية والعراقية، ويمتد على مساحة تقارب 1.6 كيلومتر مربع، ويضم مدرجاً بطول يصل إلى نحو 3615 متراً، ما يجعله قادراً على استقبال الطائرات الكبيرة، وفق بيانات الهيئة العامة للطيران المدني السورية، افتُتح المطار في خمسينيات القرن الماضي كمحطة إقليمية تخدم مناطق الجزيرة، ثم تحوّل لاحقاً إلى بوابة جوية رئيسية تربط القامشلي بدمشق وحلب، إضافة إلى وجهات خارجية عبر رحلات الترانزيت، وبحسب تقارير محلية، كان المطار قبل الحرب يخدم عشرات الآلاف من الركاب سنوياً، خصوصاً الطلاب والمرضى والحجاج، في منطقة عانت طويلاً من ضعف البنية التحتية وغياب الطرق السريعة الفعالة.
أهمية اقتصادية متجددة.. واحتياجات فنية لإعادة التشغيل
ورغم الأضرار التي لحقت ببعض المباني والشاحنات خلال سنوات الصراع، ما يزال المدرج الرئيسي في حالة مقبولة تسمح بإعادة تأهيله خلال فترة زمنية قصيرة، وفق مهندسين محليين في قطاع الطيران، إلا أن الأنظمة التقنية - من اتصالات ورادارات وإضاءة ومدرجات - تحتاج إلى تحديث شامل لضمان جاهزية التشغيل المدني الكامل، ويشير خبراء الطيران إلى أن المطار يفتقر حالياً إلى طواقم مراقبة جوية مرخصة، إضافة إلى غياب فرق الإطفاء الدائمة، ما يجعل الاستعداد الفني محدوداً.
كما أن تزويد الطائرات بالوقود كان من أبرز العقبات منذ عام 2015، غير أن استعادة الحكومة لحقول النفط القريبة قد يسهل توفير وقود الطائرات، مع إمكانية تطوير مصفاة رميلان لإنتاج وقود Jet A-1، وهو ما يتطلب إعادة إنشاء خطوط الأنابيب وعقود تشغيل طويلة الأمد.
العامل البشري.. تحدٍ لا يقل أهمية عن البنية التحتية
إعادة تشغيل المطار تحتاج إلى كوادر خبيرة في مجالات الطيران المدني، من طيارين ومراقبين جويين إلى فرق الخدمات الأرضية، وقد تضطر الحكومة إلى الاستعانة بخبراء خارجيين لتحديث الأنظمة الحيوية، خصوصاً أن بعض التجهيزات التقنية لم تُحدّث منذ سنوات طويلة. ورغم أن المدرج قابل للاستخدام، إلا أن الوصول إلى جاهزية كاملة قد يستغرق عدة أشهر من العمل المكثف، وفق تقديرات مهندسين محليين.
بوابة اقتصادية محتملة.. وإحياء للحركة التجارية في الجزيرة السورية
تشغيل المطار مجدداً قد يفتح الباب أمام نشاط اقتصادي واسع، إذ يمكن أن يخدم عمليات شحن خفيفة تشمل المنتجات الزراعية والمواشي، وهي من أبرز موارد المنطقة، كما قد يشجع شركات طيران إقليمية صغيرة - من العراق أو لبنان - على تشغيل رحلات منخفضة التكلفة، ما يعزز ارتباط شمال شرق سوريا بشبكات التجارة الإقليمية.
رجال أعمال محليون أكدوا أن المطار قادر على إنعاش الأسواق المحيطة به، من فنادق ومحلات تجارية ومرافق خدمية، إضافة إلى توفير فرص عمل جديدة في قطاع الطيران والخدمات اللوجستية.
أثر إنساني مباشر.. وتخفيف معاناة السكان
غياب مطار فعّال في الجزيرة السورية خلال السنوات الماضية أثّر على المرضى والطلاب والمنظمات الإنسانية، التي كانت تواجه صعوبات كبيرة في نقل الأدوية والمستلزمات الطبية أو إجلاء الحالات الطارئة إلى دمشق أو المحافظات الأخرى، ومع إعادة تشغيل المطار، يمكن أن تتقلص هذه المعاناة بشكل كبير، خصوصاً في المناطق النائية التي تفتقر إلى طرق برية آمنة وسريعة.
استعادة السيطرة الرسمية على مطار القامشلي والبدء بإعادة تأهيله ليست مجرد خطوة إدارية، بل تحوّل استراتيجي يعيد ربط الجزيرة السورية ببقية البلاد، ويمنح المنطقة فرصة لالتقاط أنفاسها اقتصادياً وإنسانياً، ومع توفر الإرادة السياسية والدعم الفني، يمكن للمطار أن يعود شرياناً حيوياً يعيد الحياة إلى شمال شرق سوريا بأكملها.






