منذ اندلاع الحرب مع إيران مطلع آذار / مارس، تحوّل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط الخام العالمي، إلى مسرح صراع معقّد تتداخل فيه السياسة بالطاقة والأمن البحري.
ورغم أن الممر المائي بدا مغلقاً فعلياً أمام معظم السفن، إلا أن إيران نجحت في الحفاظ على شريانها التصديري مفتوحاً، لتصدّر أكثر من 16 مليون برميل من النفط خلال أسابيع قليلة، في وقت تجاوزت فيه أسعار الخام حاجز المئة دولار للبرميل.
بيانات شركات النقل البحري مثل "لويدز ليست إنتليجنس" و"كبلر" تكشف أن نحو 90 سفينة فقط عبرت المضيق منذ بداية الحرب، مقارنة بما بين 100 و135 سفينة يومياً قبل النزاع، جزء كبير من هذه السفن اتبع نمط "العبور المظلم" للتحايل على الرقابة الدولية، فيما ارتبطت نسبة معتبرة منها مباشرة بالشبكة الإيرانية.
الصين، المستورد الأكبر للنفط الإيراني، لجأت إلى تكتيك "الهوية المعلنة" لتأمين مرور ناقلاتها، بينما نجحت الهند عبر دبلوماسية مباشرة في ضمان عبور ناقلات الغاز المسال لتلبية احتياجاتها المحلية، أما باكستان فسجلت اختراقاً مهماً بعبور ناقلة "كراتشي" المحملة بخام من أبوظبي، في مؤشر على تفاهمات جديدة مع طهران، اليونان وتركيا بدورهما اختبرتا العبور بشروط خاصة، منها التوقف في موانئ إيرانية.
في المقابل، تواجه السفن المرتبطة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة استهدافاً أو منعاً كلياً، ما دفع شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مساراتها نحو موانئ بديلة في الفجيرة وخورفكان وصحار، حيث تتكدس الحاويات وتُفرغ الشحنات لنقلها براً، مسببة ازدحاماً هائلاً، هذا الواقع يعكس أن المضيق لم يعد مغلقاً مادياً فقط، بل أصبح مغلقاً سياسياً، إذ تديره إيران وفق مصالحها، مانحة "ممراً آمناً" انتقائياً لمن تختار.
الولايات المتحدة، التي طالما أعلنت هزيمة إيران، وجدت نفسها مضطرة لغض الطرف عن مرور ناقلاتها النفطية لتجنب انفجار أسعار الطاقة عالمياً، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعا الحلفاء إلى إرسال سفن حربية لإعادة فتح المضيق، موجهاً انتقادات حادة للناتو، بينما تجنبت واشنطن استهداف البنية التحتية النفطية الإيرانية حتى الآن، في الوقت نفسه، بدأت المنظمة البحرية الدولية جلسة استثنائية لمناقشة إنشاء "ممر بحري آمن" لإجلاء السفن والبحارة العالقين، وسط مخاوف من أزمة إنسانية وملاحية متفاقمة.
هكذا، تحوّل مضيق هرمز إلى أداة ضغط بيد إيران، تستخدمه لتعزيز موقعها التفاوضي وضمان تدفقاتها المالية، فيما يقف العالم أمام معضلة مزدوجة: كيف يؤمّن شريان الطاقة العالمي دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة؟، وكيف يتعامل مع واقع جديد تفرضه طهران على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم؟






