سياسي

تسريب مرسوم يلغي الإصلاح الزراعي في سوريا.. زلزالٌ اجتماعيٌّ وقانونيٌّ يعيد البلاد إلى ما قبل 1958

23
 تسريب مرسوم يلغي الإصلاح الزراعي في سوريا

في تطوّرٍ وُصف بأنّه الأخطر منذ ستة عقود، تسرّب نصّ مرسومٍ غير معلن يقضي بإلغاء قوانين الإصلاح الزراعي في سوريا وإعادة الأراضي إلى "المالكين الأصليين" وفق قيود تعود إلى عشرينيات القرن الماضي.


التسريب، الذي لم يصدر رسمياً بعد، أثار عاصفة من الجدل لما يحمله من تداعيات اجتماعية وقانونية وديموغرافية قد تعيد تشكيل البنية الريفية بالكامل.


المحامي المعتصم كيّالي قدم لـ Syria one قراءة تحليلة حول المرسوم المسرّب، وما يحمله من تداعيات اجتماعية ودستورية قد تعيد تشكيل البنية الريفية والاقتصادية في البلاد، وفي البداية، أشار كيّالي إلى أنّ أي محاولة لإلغاء قوانين الإصلاح الزراعي بأثر رجعي عبر مرسوم أو قرار إداري تُعدّ تجاوزاً دستورياً واضحاً، لأنّ سلطة إلغاء القوانين أو تعديلها تنعقد حصرياً لمجلس الشعب وفق المادة 30 من الإعلان الدستوري المؤقت.


ويؤكّد كيالي أنّ السلطة التنفيذية لا تملك قانوناً إسقاط تشريع نافذ، خصوصاً إذا كان الإلغاء يمسّ حقوقاً عينية مستقرة منذ ستة عقود، ما يجعله متعارضاً مع حماية الملكية المنصوص عليها في المادة 16 وحق الطعن القضائي في المادة 17.


تهديد مباشر لحماية الملكية الخاصة ونزعٌ غير مشروع للحقوق


ورأى كيّالي أنّ نقل الملكية من حائزين بسندات رسمية إلى "مالكين أصليين" دون إطار منفعة عامة وتعويض عادل يُعدّ نزعاً فعلياً للملكية، وهو ما يصطدم جوهرياً مع المادة 16 من الإعلان الدستوري، كما يشدّد على أنّ أي نقل للملكية عبر لجان تنفيذية لا عبر القضاء يفتح الباب لطعون دستورية وإدارية واسعة، لأنّ الدستور يربط ردّ الممتلكات المصادرة بالعدالة الانتقالية (المادة 48)، لا بإلغاء آلي لحقوق عينية استقرت بحسن نية لعشرات السنين.


لجان إدارية بصلاحيات تقريرية واسعة.. وبيئة خصبة للطعون القضائية


كيّالي حذر من أنّ منح لجنة إدارية سلطة تقرير مصير الملكية -تثبيتاً أو إلغاءً أو نقلاً - يمسّ مباشرةً مبدأ استقلال القضاء (المادة 43)، ويخالف قاعدة عدم تحصين القرارات الإدارية (المادة 17). ويؤكّد أنّ اتساع صلاحيات اللجنة سيؤدي إلى موجة طعون تشمل وقف تنفيذ وإلغاء وتعويضات، خصوصاً مع تشابك الملكيات الزراعية بالرهن والاستثمار، ما يجعل أي صياغة مطلقة للنصّ بوابةً لنزاعات واسعة.


التعويض كخيار دستوري إلزامي لا يمكن تجاوزه


كيّالي أكد أنّ التعويض ليس خياراً ثانوياً بل شرط دستوري عند أي نزع ملكية، وأنّ حماية الاستثمار (المادة 11) تجعل من التعويض والتسويات المالية أو العينية أدوات أكثر انسجاماً مع الدستور من الردّ العيني الشامل، مشيراً إلى أنّ القانون المدني السوري يعترف بالتقادم المكسب في بعض الحالات، ما يعزّز مبدأ الأمن القانوني لمصلحة الحائزين بحسن نية، ويجعل الحلول القضائية "التسوية" أكثر دقّة من الإلغاء الكلي لسلاسل الملكية.


الفلاحون الحائزون سندات رسمية ليسوا مغتصبين للملكية


وشرح كيّالي في حديثه لـ Syria one أنّ الفلاحين الذين حصلوا على سندات بموجب قانون 161 لعام 1958 اكتسبوا وضعاً قانونياً مشروعاً، وأنّ إسقاط هذا الوضع بالجملة دون تعويض ومحاكمة عادلة يتعارض مع حماية الملكية (م16) وحق الطعن (م17) وحماية الاستثمار (م11)، مقترحاً ثلاثة مسارات لحماية المشاريع القائمة: تثبيت حق الحائز حسن النية مع تعويض المالك، أو إعادة الملكية مع تعويض كامل عن المنشآت، أو اعتماد حلول تقاسم المنافع والإيجارات الطويلة.


التسريب كأداة جسّ نبض سياسي بلا قيمة قانونية


وأكد كيّالي أنّ النص المسرّب لا يحمل أي أثر قانوني ما لم يصدر رسمياً ويُنشر وفق الأصول، وأنّ أي إجراء تنفيذي يجب أن يكون مستنداً إلى قانون نافذ (المادة 36)، فيما رأى أنّ التسريب قد يكون محاولة لاختبار ردّ الفعل الشعبي والسياسي، لكنه يبقى بلا قيمة تشريعية.


ثغرات خطيرة تهدّد استقرار السجل العقاري وتفتح باب التلاعب


هذا وعدد كيّالي أبرز الثغرات التي قد تتحول إلى أدوات للطعن أو التلاعب مثل إطلاق عبارة "مهما تسلسلت الملكيات"، غياب تعريف دقيق للمالك الأصلي، منح اللجنة الإدارية سلطات واسعة دون مسار قضائي حاكم، غياب نظام تعويض مفصّل، تجاهل حماية الحائز حسن النية، واحتمال تنازع اختصاص بين القضاء العادي والإداري إذا لم تُحسم جهة الطعن بدقّة.


خطر إعادة إنتاج بنية إقطاعية تحت غطاء "استعادة الحقوق"


ويرى كيّالي أنّ إعادة الأراضي بصيغة ردٍّ عيني شامل قد تعيد تركّز الملكية بيد قلة، خصوصاً إذا كان "المالك الأصلي" من كبار الملاك قبل 1958، وهو ما يتعارض مع المادة 11 التي تمنع الاحتكار وتؤكد العدالة الاجتماعية، مبيناً أنّ المادة 48 من الإعلان الدستوري تتحدث عن ردّ الممتلكات المصادرة، لا عن إعادة تشكيل سوق الأرض بما يعيد الاحتكار.


تهجير العائلات الريفية خطرٌ على السلم الأهلي وحقوق الإنسان


ويحذّر كيّالي من أنّ تهجير عائلات مستقرة منذ ثلاثة أجيال يمسّ واجب الدولة في حفظ السلم الأهلي (المادة 7)، ويتعارض مع حقوق الإنسان وحرية التنقل وعدم الإبعاد (المادتان 12 و13)، ويرى أنّ أي مسار يؤدي إلى نزوح داخلي جديد سيكون على خلاف التزام الدولة بتيسير العودة الطوعية للنازحين والمهجّرين.


احتمال الصدامات الأهلية قائم إذا طُبّقت الإعادة كقاعدة عامة


هذا وأشار كيّالي إلى أنّ النزاع على الأرض لن يكون قانونياً فقط، بل سيكون نزاعاً على مورد معيشة وهوية محلية، ما يرفع احتمال الصدامات الأهلية، ويذكّر بأنّ المادة 7 تحظر التحريض على العنف والانقسام، وأنّ اتساع الطعون القضائية قد ينعكس توتراً اجتماعياً على الأرض إذا لم تُدر العملية بتدرّج وتسويات وتعويضات.


تجاهل التحولات السكانية خلال قرن يصعب تبريره دستورياً


وأكد كيّالي أنّ أي سياسة ملكية تتجاهل واقع الاستقرار السكاني الطويل ستصطدم بواجب الدولة في حفظ السلم الأهلي (م7) وبحماية الملكية (م16)، ويرى أنّ المسار الدستوري الوحيد المقبول لمعالجة الماضي هو إدراج ذلك ضمن العدالة الانتقالية (م48)، مع التمييز بين المصادرة غير المشروعة والاستقرار القانوني الطويل، واعتماد التعويض والتسويات عند تعذّر الردّ العيني، ومنع إعادة تركّز الملكية بما يخالف العدالة الاجتماعية.


مرسوم يعيد عقارب الملكية إلى عام 1926


النص المسرّب يستند إلى الإعلان الدستوري والقرارات العقارية الأساسية لعام 1926، يُلغي صراحةً:


- قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958


- لائحته التنفيذية رقم 1417 لعام 1958


- القانون رقم 3 لعام 1962


- المرسوم 1109 لعام 1963


- المرسومين 166 لعام 1968 و66 لعام 1969


ويقرّ بأنّ الملكية تعود إلى أصحابها الأصليين أو ورثتهم مهما تغيّرت القيود أو تسلسلت الملكيات لاحقًا، مع تشكيل لجان إدارية في المحافظات للفصل في طلبات الاسترداد خلال سنة واحدة.


كارثة اجتماعية محتملة.. مئات آلاف العائلات مهددة بفقدان أرضها


المعلومات المتداولة حول المرسوم تشير إلى أنّ البلاد قد تكون أمام زلزال اجتماعي، إذ إنّ إلغاء الإصلاح الزراعي بأثر رجعي يعني تهديد مئات آلاف العائلات التي تعيش منذ ثلاثة أجيال على أراضٍ مُنحت بموجب قوانين نافذة، احتمال اقتلاع نصف البنية الزراعية القائمة، انهيار سلاسل ملكية تجارية وصناعية بُنيت على تلك الأراضي، وموجة نزاعات قضائية قد تمتد لعقود.


الإصلاح الزراعي لم يكن مجرّد إجراء عقاري، بل كان تحولاً اجتماعياً أعاد توزيع الأرض وغيّر شكل الريف السوري، وإلغاؤه اليوم يعني إعادة إنتاج منظومة ما قبل 1958 بكل ما فيها من تركّز ملكية وفوارق طبقية حادّة.


مقالات ذات صلة

العراق يستعد لافتتاح معبري "الوليد" و"ربيعة" مع سوريا

العراق يستعد لافتتاح معبري "الوليد" و"ربيعة" مع سوريا

قال رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية، عمر الوائلي، إن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، وجّه بتسريع افتتاح معبري “الوليد” و”ربيعة” مع سوريا
28
سوريا من دولة عبور إلى شريك في سلاسل الإمداد الإقليمية

سوريا من دولة عبور إلى شريك في سلاسل الإمداد الإقليمية

في قلب التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، تعود سوريا إلى واجهة النقاشات المتعلقة بممرات التجارة البرية والسككية
404
صدور نتائج امتحانات الثانوية المهنية الزراعية لمحافظة السويداء لدورة 2025

صدور نتائج امتحانات الثانوية المهنية الزراعية لمحافظة السويداء لدورة 2025

أعلن وزارة الزراعة السورية عن صدور نتائج امتحانات الشهادة الثانوية المهنية الزراعية لمحافظة السويداء لدورة عام 2025
57
ماذا يخبرنا عام 1979 عما قد يحدث في إيران اليوم؟.. مقال مثير في الغارديان البريطانية

ماذا يخبرنا عام 1979 عما قد يحدث في إيران اليوم؟.. مقال مثير في الغارديان البريطانية

نشر مقال مثير في صحيفة الغارديان، للكاتب جيسون بيرك، حول التطورات التي تشهدها إيران
68
أسعار الذهب والدولار في سوريا 16 شباط/فبراير  2026

أسعار الذهب والدولار في سوريا 16 شباط/فبراير 2026

حافظت أسعار الذهب والدولار في السوق السورية على استقرارها اليوم الإثنين
591
سيرياون إعلان 7