عاش المواطن السوري لسنوات طويلة مفارقة قاسية بين وجود بلده على الخريطة وتحرك جواز سفره في عالم شديد التعقيد، حيث يتطلب السفر إلى دولة ما تنقلاً بين عدة دول وتكبد مصاريف إضافية للحصول على تأشيرة دخول.
ليتزامن مسار الانفتاح الدولي وإعادة تطبيق اتفاقية التعاون مع الاتحاد الأوروبي في أيار 2026 بعد رفع معظم العقوبات الاقتصادية، مع طرح تساؤلات جوهرية حول توقيت انعكاس هذه التغيرات على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، وفي هذا الصدد، بيّن المحلل الاقتصادي ميلاد الأطرش في تصريحات خاصة لـ "Syria One" تفاصيل المسار المتدرج لإعادة ربط سوريا بالمحيط الدولي عبر بوابات القنصليات، الطيران، المعايير الأمنية، والمنظومة المصرفية.
استجابة تدريجية ودور محوري للجواز الإلكتروني
أوضح المحلل الاقتصادي ميلاد الأطرش لـ Syria One أن الانفتاح السياسي لا يعني فتح جميع العواصم الأوروبية لأبوابها القنصلية في وقت واحد، كون تأشيرة "شنغن" تخضع لمنظومة قانونية وأمنية تنفذها كل دولة عضو وفق حساباتها وجاهزيتها، وأشار إلى استمرار ألمانيا في معالجة طلبات السوريين عبر بعثات خارج سوريا رغم استئناف عمل سفارتها في دمشق، مقابل بدء دول أخرى بإعادة بعض الخدمات القنصلية إلى العاصمة. مبيناً أن القرار القنصلي لا يشترط اعترافاً سياسياً كاملاً بل يتطلب ثقة مؤسسية بصحة الوثائق وسجل السفر ومكافحة التزوير، كما أكد أن اعتماد بعض الدول الأوروبية للجواز السوري الإلكتروني الجديد يعد مؤشراً تقنياً هاماً على بدء بناء الثقة الأمنية، دون وجود شرط معلن يربط فتح التأشيرات بربط قاعدة البيانات السورية مباشرة بنظام الإنتربول.
تسهيلات مرتقبة لحركة الترانزيت
ولفت الأطرش إلى أن إنهاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب في الولايات المتحدة لن يغير تلقائياً قواعد نظام "VIS" الأوروبي المستقل، لكنه يساهم في تغيير بيئة تقييم المخاطر (Risk Assessment) ليتحول التركيز القنصلي من الشك العام إلى التدقيق الفردي القائم على البيانات الموثوقة، وشرح عبر Syria One أن المرحلة المقبلة لن تشهد إعفاءً شاملاً ومباشراً من التأشيرات، بل ستتركز على تسهيلات تدريجية تشمل فتح مراكز الطلبات في دمشق، تقليل الحاجة للسفر لدول ثالثة، وتوسيع التأشيرات متعددة الدخول، كما أضاف أن تحسن الثقة بالوثائق والتعاون الأمني يدفع دولاً أوروبية لإعادة النظر في شرط تأشيرة الترانزيت المباشر (Airport Transit Visa) المطبقة في بعض المطارات، بالتوازي مع ترشح دول إقليمية ودولية مرتبطة بعلاقات تجارية وثيقة لتكون السباقة في تقديم التأشيرات الإلكترونية أو التأشيرات عند الوصول.
اتفاقيات النقل الجوي وإنعاش قنوات المال والأعمال
وعلى صعيد حركة الطيران والاقتصاد، أكد المحلل الاقتصادي لـ Syria One أن توقيع اتفاقية النقل الجوي بين سوريا وألمانيا في تموز 2026 يمثل المؤشر المباشر الأكثر وضوحاً على تنظيم حقوق التشغيل وربط المطارات، مما يسهم في اختصار ساعات الترانزيت وخفض تكاليف السفر عبر تعزيز المنافسة بين الشركات على أن تسهيل حركة السفر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الاجتماعي،حيث يتوازى فتح القنصليات والطيران مع توسع القنوات المالية الرسمية واكتساب المصارف السورية لمعايير مكافحة غسل الأموال (AML/CFT) ومتطلبات "اعرف عميلك" (KYC).
وختم الأطرش بالتأكيد على أن الاختبار الحقيقي ينبع من قدرة المؤسسات السورية في دمشق على تقديم وثائق ومطارات ومنظومات مالية آمنة وموثوقة تسمح للمواطن بالعبور نحو العالم دون عقبات استثنائية.






