قبل سنوات، خرجت تقارير بنكية واثقة تقول إن الذهب عند 4,000 دولار "فقاعة".
اليوم، تجاوز الذهب 4,900 دولار للأونصة، واختفت تلك التقارير بهدوء لافت.
لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ارتفع الذهب؟ والسؤال الأهم: لماذا كانت البنوك منزعجة أصلًا من ارتفاعه؟
الذهب المرتفع لا يُقلق لأنه أصل رابح، بل لأنه إشارة فقدان ثقة.
عندما يختار المستثمر الذهب، فهو يقول شيئاً بسيطاً وخطيراً في آن واحد: لا أثق في السندات.. ولا في النظام المالي كما هو".
وهنا تبدأ السلسلة الحساسة من تراجع الثقة بالسندات الحكومية وارتفاع العوائد وهبوط أسعار السندات وخسائر مباشرة في ميزانيات البنوك، وهذا ليس تفصيلاً تقنياً.
فالبنوك التجارية هي من أكبر حاملي السندات الحكومية، وتعتمد عليها كعمود أساسي لتوازنها المالي، وأي اهتزاز في قيمتها يتحول فوراً إلى ضغط حقيقي.
لكن المشكلة أعمق من السندات.
لأنه عندما يشتري الناس الذهب فإنهم قد دخلوا ضمن اللاءات الثلاث وهي:
لا يودعون أموالهم في البنوك.
لا يشترون منتجات مالية معقدة.
لا يدخلون في مشتقات أو رهانات.
وبهذا يخرج المال من النظام المصرفي وبالتالي يتناقض جوهرياً مع نموذج عمل البنوك القائم على تدوير المال داخل النظام.
لهذا السبب لا تحب البنوك الذهب ولا تحب ارتفاعه ولا تحب تداوله خارج النظام، وكذلك لا تحب فكرة تخزين القيمة بعيداً عن الوسطاء.
هي تفضل (أي البنوك) أن تشتري سندات، تدخل في صناديق، تعتمد على “إدارة مالية ذكية”، بدل أصل بسيط، صامت، لا يمكن طباعته ولا التحكم فيه.
وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى مفادها أن القول إن الذهب “فقاعة” يفترض أنه أصل استثماري تقليدي… وهو ليس كذلك.
الذهب ليس شركة تنمو أو سهماً يُقيَّم، الذهب هو مقياس للقيمة وأداة تحوط، ومرآة تعكس ضعف النقود الورقية، فكيف يمكن أن تكون القيمة نفسها مبالغاً في تقييمها؟
ببساطة أكثر إن ارتفاع الذهب لا يعني أن الذهب أصبح غالياً، بل يعني أن النقود تفقد قوتها.
وكلما زاد الضغط على النظام المالي زاد الإقبال على الذهب، وزادت محاولات التشكيك فيه، وارتفعت حملات التخويف منه.
لكن التاريخ يقول شيئاً واحداً بوضوح: الذهب لا يخذل من يفهم دوره الحقيقي.






