أطلقت وزارة الإدارة المحلية والبيئة المرحلة الأولى من البرنامج الوطني لمراقبة تلوث الهواء، في خطوة تهدف إلى نقل التعامل مع قضية جودة الهواء من الانطباعات العامة إلى العمل العلمي القائم على القياس والتحليل.
مدير الرصد والتقييم البيئي في الوزارة د.أسعد علبي، أكد لـ Syria One أن البرنامج يشكّل أساساً لبناء سياسة بيئية فعّالة تعتمد على بيانات دقيقة حول مصادر التلوث واتجاهاته، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن خطة وطنية لإعادة تفعيل أدوات الإدارة البيئية في مرحلة التعافي وإعادة البناء.
منهجية الرصد
يعتمد البرنامج على منظومة رصد تجمع بين المحطات الثابتة التي تتابع التغيرات اليومية والليلية في جودة الهواء، والمحطات المتنقلة التي تمنح الفريق مرونة للتحرك بين مناطق مختلفة داخل دمشق، بما يسمح بمقارنة البيئات المرورية والسكنية والتجارية والصناعية.
ويبين علبي أن القياسات تستند إلى المواصفة القياسية السورية وإلى منهجيات دولية مثل إرشادات منظمة الصحة العالمية، وتشمل ملوثات رئيسية مثل الجسيمات العالقة وأكاسيد الآزوت والكبريت وأول أكسيد الكربون، مشدداً على أن عملية الرصد ليست مجرد أرقام، بل سلسلة فنية تبدأ من اختيار الموقع وضبط الأجهزة وتوثيق الظروف المحيطة، وتنتهي بتحليل البيانات وربطها بالمصادر المحتملة للتلوث.
مصادر التلوث في دمشق
رغم أن النتائج ما تزال في مراحلها الأولى، إلا أن القراءة الميدانية تشير إلى أن الازدحام المروري يشكّل أحد أبرز مصادر الضغط على جودة الهواء، سواء من خلال الانبعاثات الناتجة عن احتراق الوقود أو من خلال إعادة إثارة الغبار من الطرقات، كما يشرح علبي، الذي أكد أيضاً ظهور تأثيرات واضحة للأنشطة الحضرية اليومية والغبار المتطاير والأنقاض ومخلفات الحرب، إضافة إلى دور الكثافة العمرانية والظروف المناخية في زيادة أو تخفيف تركّز الملوثات.
ويؤكد علبي أن الحديث عن "الملوثات الأكثر خطورة" سابق لأوانه، ويفضّل استخدام تعبير "الملوثات ذات الأولوية" إلى حين اكتمال فترة الرصد وتحليل البيانات بشكل شامل.
النتائج ودورها في القرار
تعمل الوزارة على إعداد تقارير دورية تُنشر للرأي العام بعد تحليل البيانات وتدقيقها، بهدف تقديم معلومات موثوقة وواضحة بعيداً عن الأرقام الخام التي قد تُفهم خارج سياقها العلمي.
وستُستخدم النتائج كما يبين علبي لـ Syria One في تحديد بؤر التلوث داخل المدينة ودعم قرارات تتعلق بتنظيم المرور وتحسين النقل العام وإدارة الغبار والنظافة وضبط مصادر الانبعاث، إضافة إلى مساعدة القطاع الصحي في فهم العلاقة بين جودة الهواء والمشكلات التنفسية، وتوجيه التخطيط العمراني والبيئي.
ويرى علبي أن نجاح البرنامج يتحقق عندما تتحول البيانات إلى إجراءات عملية تُنفّذ وتُقيّم على أرض الواقع.
تحديات تشغيل المحطات
يواجه تشغيل منظومة الرصد تحديات متعددة تتعلق بالصيانة والمعايرة وقطع الغيار والتمويل المستدام، إضافة إلى متطلبات لوجستية تشمل نقل الأجهزة وتأمين الطاقة الكهربائية واختيار المواقع المناسبة وإدارة البيانات بشكل منهجي.
كما يبرز تحدٍّ مؤسسي يبين علبي أنه يتمثل في ضرورة ربط نتائج الرصد بالجهات القادرة على التدخل، مثل البلديات والنقل والصحة والطاقة والصناعة، لضمان أن تتحول التوصيات إلى إجراءات فعلية على الأرض.
التوسع نحو شبكة متكاملة
اختارت الوزارة دمشق كنقطة انطلاق نظراً لتعقيدها الحضري وكثافتها السكانية وتنوع أنشطتها، على أن تُستخدم نتائج المرحلة الأولى لتطوير المنهجية قبل التوسع إلى محافظات أخرى.
وذكر العلبي أن التوسع يجب أن يكون تدريجياً ومدروساً، لأن إنشاء شبكة وطنية لمراقبة جودة الهواء يحتاج إلى أجهزة وكوادر وصيانة وربط مؤسسي ومنهجية موحدة، ويرتبط الجدول الزمني للتوسع بنتائج الأشهر الستة الأولى وبحجم الدعم الفني والمالي المتاح، فيما يبقى الهدف النهائي الوصول إلى شبكة وطنية قادرة على إنتاج بيانات موثوقة تدعم السياسات البيئية والصحية والتنموية في سوريا.






