على مدى سنوات لم يعد النقاش حول الاستيعاب الجامعي في سوريا يدور حول عدد المقاعد التي تستطيع الجامعات توفيرها للطلاب فقط، بل انتقل تدريجياً إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا يحدث عندما تصبح وتيرة الاستيعاب أكبر من قدرة الجامعة على تأمين تعليم نوعي، ويصبح عدد الخريجين أكبر من القدرة الاستيعابية لسوق العمل؟
بدأت سياسة الاستيعاب الجامعي في سورية في عام 1970 بموجب مرسوم تشريعي نص على قبول جميع حائزي شهادة الثانوية العامة في الجامعات والمعاهد السورية بالتوازي مع دعوات أكاديمية إلى زيادة الطاقة الاستيعابية، وتوسيع التعليم التقاني والتطبيقي، وإحداث اختصاصات جديدة وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.
لكن السنوات التالية كشفت أن المشكلة لا تتوقف عند تأمين المقعد الجامعي، وبدأ النقاش الرسمي نفسه يركز على جودة الخريج، ومواءمة الاختصاصات مع سوق العمل، ونِسب الطلاب إلى الأساتذة، وقدرة المخابر والبنية التحتية على استيعاب الأعداد وانخفضت ثقة الأسواق في الشهادة الجامعية نفسها.
وفي 2024 برزت دعوات لمراجعة آليات القبول الجامعي وربطها بقدرات الطلاب واحتياجات سوق العمل، فيما استمر التأكيد على التوسع في التعليم التقاني والتطبيقي باعتباره أحد المسارات المطلوبة لتخفيف الضغط عن التعليم الجامعي التقليدي.
أما في 2026، فأصبح الاتجاه نحو إعادة النظر في أعداد المقبولين أكثر وضوحاً، مع طرح تحديد الاستيعاب ونسب القبول بحسب الاختصاصات، وتخفيض الأعداد في بعض المجالات وتعزيز التعليم التقاني.
المشكلة إذاً لم تعد في السؤال: كم طالباً يمكن إدخاله إلى الجامعة؟ بل كم طالب تستطيع الجامعة تخريجه؟ ومع الضغوطات السياسية المباشرة أو عبر اتحاد الطلبة ظهرت سياسة التساهل في تخريج الطلاب وتفهم ظروفهم وهنا ظهر السؤال الأصعب: كم طالباً تستطيع الجامعة أن تعلّمه فعلاً لا كم طالبا تسطيع تخريجه؟ وكم خريجاً تحتاج البلد؟ وهل زيادة الخريجين تقع ضمن "زيادة الخير خير"؟ أم ضمن ما زاد عن حده انقلب إلى ضده؟
كلية هندسة المعلوماتية في جامعة دمشق تكشف حجم الفجوة حيث تأخذ هذه الإشكالية شكلاً أكثر وضوحاً.
عميد الكلية الدكتور عمار جوخدار يحذّر في حديث خاص لـ Syria One من فجوة كبيرة بين أعداد الطلاب المقبولين وبين الإمكانات الفعلية للكلية، موضحاً أن احتساب نسبة معيارية بحدود أستاذ لكل 25 طالباً، مع احتساب أعضاء الهيئة التدريسية، يمكن أن يرفع القدرة الاستيعابية إلى نحو 500 طالب كحد أقصى من الناحية الأكاديمية.
لكن هذه ليست الطاقة الفعلية الكاملة، بحسب جوخدار، إذ إن احتساب المخابر والمدرجات والتجهيزات وأثر الذكاء الصنعي السلبي على العملية التعليمية وما يتطلبه من علاقة مباشرة أكثر بين الطالب والأستاذ، يجعل استيعاب 500 طالب نفسه رقماً مرتفعاً.
المفارقة أن الكلية استقبلت العام الماضي نحو 1400 طالب جديد، أي بإجمالي مستقبلي 7000 طالب أي ما يقارب 14 ضعف السقف الذي يمكن أن تسمح به النسبة الأكاديمية المشار إليها.
وهنا لا يعود الأمر مجرد ازدحام في قاعة محاضرات، فعندما تكون الكلية قادرة، وفق تقدير عميدها، على التعامل بصورة أفضل مع بضع مئات من الطلاب، ثم يُفرض عليها استقبال أكثر من ألف طالب، فإن السؤال يصبح متعلقاً بنوعية المهندس الذي سيتخرج بعد 5 سنوات، لا بعدد الطلاب الذين دخلوا في يوم المفاضلة.
1400 طالب.. لكن كم مهندساً؟
جوخدار يذهب أبعد من مسألة الطاقة الاستيعابية، ويعتبر أن العدد الأنسب لكلية الهندسة المعلوماتية قد يكون في حدود 100 إلى 250 طالباً سنوياً، بما يسمح بتخريج مهندسين بالمستوى المطلوب.
أما عندما ترتفع الأعداد إلى 1400 طالب، فإن المشكلة في رأيه لا تتمثل فقط في عدم القدرة على تخريج 1400 مهندس جيد، وإنما في أن الكلية قد لا تنجح حتى في إخراج 100 أو 200 مهندسين بالمواصفات التي يفترضها سوق العمل.
وهنا تظهر مفارقة الاستيعاب بأوضح صورها: الدولة تزيد عدد المقبولين بهدف توسيع فرص التعليم، لكن التوسع نفسه قد يتحول إلى عامل يخفض جودة التعليم الذي يحصل عليه هؤلاء الطلاب.
النقطة الأهم في طرح جوخدار أن المشكلة لا تكمن في غياب الحاجة إلى اختصاصات المعلوماتية، بل على العكس، سوق العمل يحتاج إلى أعداد كبيرة من أصحاب المهارات الرقمية، من البرمجة والشبكات إلى إدارة الأنظمة والخوادم وغيرها.
لكن الحاجة إلى مهارات تقنية لا تعني بالضرورة الحاجة إلى آلاف المهندسين سنوياً فهنالك الحاجة لمهارات برمجية أو تقنية لا تتطلب دراسة هندسة لخمس سنوات وإتقان بعض هذه المهارات أهم لسوق العمل من وجود فائض في المهندسين.
وهنا تصبح إعادة توزيع الطلاب بين الهندسة، وعلوم الحاسوب، والتعليم التقاني والمسارات التطبيقية أكثر من مجرد خيار أكاديمي؛ إنها مسألة تخطيط لسوق العمل.
فالطالب الذي يمكن أن يصبح مبرمجاً أو متخصص شبكات أو مسؤول أنظمة ليس بالضرورة بحاجة إلى أن يمر من المسار الهندسي نفسه.
شهادة فقدت قدرتها على الإقناع
الأكثر خطورة في تحذير عميد كلية الهندسة المعلوماتية هو ما يتعلق بقيمة الشهادة نفسها.
فبحسب جوخدار، لم يعد صاحب العمل يتعامل مع شهادة هندسة المعلوماتية باعتبارها دليلاً كافياً على كفاءة صاحبها، بل يبحث عن خريج جيد يمتلك المهارة الفعلية.
وهنا تظهر النتيجة غير المقصودة لسياسة الاستيعاب: كلما زاد عدد حملة الشهادة من دون أن يوازي ذلك ارتفاع في مستوى المهارات، تراجعت قدرة الشهادة وحدها على تمييز الخريج الجيد.
وبذلك يتحول الطالب من شخص يفترض أن الجامعة ستمنحه تأهيلاً متخصصاً إلى شخص مضطر إلى إثبات نفسه خارج الشهادة التي أمضى 5 سنوات للحصول عليها.
بل يذهب الدكتور جوخدار أبعد من ذلك ويقول إن الخريج لم يعد مقنعاً للحكومة نفسها حيث نجد أن الجهات الحكومية تطرح مشاريع برمجية متوسطة الصعوبة طرحاً خارجياً على شركات خارجية وتسعى لإدخال شركات أجنبية في مجال المعلوماتية على الرغم من وجود تخمة في سورية بعدد مهندسي المعلوماتية منذ أكثر من عقدين من الزمن، لذا فإن ما يقال على المنصات من تمييز الخريجين السوريين هو كلام دبلوماسي لا يتجاوز هذا المنصات.
من حق الطالب التعليم.. وليس بالضرورة أي اختصاص
جوخدار يرى بأن التعليم العالي وخاصة الحكومي المجاني فقد البوصلة، فنرى الخطاب اليوم يبدو وكأن التعليم العالي حق لكل مواطن حصل على شهادة بكلوريا وأن الجامعات مسؤولة أمام الطلاب وهذه الرؤية غير صحيحة، فقبول الطلاب المتميزين في التعليم العالي المجاني لا يهدف لخدمتهم بل لخدمة المجتمع من خلال تخريج مهندسين أكفاء قادرين على إحداث التغيير والنمو الاقتصادي. فإذا لم يتخرج مهندساً متميزاً فلم نحقق الهدف، والطالب الذي لا يرغب بالعلم بل بالشهادة ليس شريكاً في الرؤية، ويمكنه الحصول عليها في الجامعات الخاصة.
وهنا تبرز نقطة جوهرية في النقاش: التعليم العالي المجاني ليس مجرد توزيع شهادات لإرضاء الشباب، وإنما استثمار في الأشخاص الأكثر قدرة على الاستفادة من التعليم الجامعي بمنطق رابح رابح، بالتوازي مع توفير مسارات تعليمية أخرى لمن تناسبهم المهارات التطبيقية والتقانية.
فالعدالة التعليمية لا تتحقق بالضرورة عندما يدخل الجميع إلى الجامعة، وإنما عندما يحصل كل طالب على المسار الذي يمكن أن ينجح فيه ويؤمن له الاكتفاء المادي ويغني البلاد عن الاستيراد، وعندما تكون المؤسسة قادرة فعلاً على تقديم هذا المسار بالجودة المناسبة والأعداد المناسبة دون تخمة تضع الخريجين في منافسة كبيرة تؤدي إلى انخفاض مداخيلهم .
وإلا فإن الدولة تكون قد أنفقت سنوات من التعليم، وكلفة مالية وبشرية كبيرة، لتنتهي بخريج يحمل شهادة لا تكفي وحدها لتأمين عمل، ولا يمتلك في الوقت نفسه المهارات التي تسمح له بالانتقال بسهولة إلى مسار تقني آخر.
15 ألف مهندس سنوياً.. المشكلة أكبر من كلية
ويضع جوخدار المسألة في إطار أوسع من جامعة دمشق، مشيراً إلى وجود نحو 30 جامعة بين حكومية وخاصة، ومتسائلاً عن جدوى تخريج أعداد ضخمة من المهندسين في تخصصات لا يستطيع الاقتصاد استيعابها.
ومع العلم بأن جميع الجامعات العامة والخاصة فيها اختصاص معلوماتية، فإن قبول 1400 طالب سنوياً، يعني أننا نخطط لتخريج 14 ألف طالب حكومي وربما مثلهم من القطاع الخاص وهذا العدد من المهندسين هائل جدا يكفي لقارة.
حتى لو اعتبرنا هذا الرقم تقديرياً وليس رقماً رسمياً نهائياً، فإن السؤال الذي يطرحه يبقى جوهرياً: هل يحتاج الاقتصاد السوري إلى هذا العدد من المهندسين، أم إلى عدد أقل من المهندسين مقابل عدد أكبر من أصحاب المهارات التقنية؟
وهنا تحديداً يصبح استمرار سياسة الاستيعاب من دون تخطيط دقيق أقرب إلى إنتاج مشكلة مؤجلة: تبدأ بمقعد جامعي، ثم تتحول إلى اكتظاظ، ثم تراجع في جودة التعليم، ثم خريج أقل تنافسية، وتنتهي بسوق عمل لا يجد في الشهادة وحدها ما يبحث عنه.
تجربة هندسة المعلوماتية تقدم نموذجاً واضحاً لمشكلة أوسع في التعليم العالي السوري، فإذا كانت الجامعة لا تستطيع تأمين العدد الكافي من الأساتذة والمخابر والتجهيزات، وإذا كان سوق العمل لا يحتاج إلى جميع الخريجين بالصفة الهندسية نفسها، فإن زيادة القبول تصبح رقماً جيداً في إحصائية الاستيعاب، لكنها قد تكون رقماً سيئاً في إحصائية جودة التعليم والتوظيف وتؤثر سلباً على النمو الاقتصادي والاجتماعي.






