فن

عرض فنون شعبية في معرض دمشق يثير الجدل.. باحث في التراث لـ Syria One: التداخل بين "الوافد" و"المحلي" لا يلغي أصل الأمور

12
عرض فنون شعبية في معرض دمشق يثير الجدل.. باحث في التراث لـ Syria One: التداخل بين "الوافد" و"المحلي" لا يلغي أصل الأمورعبدالرحمن السيد

أثار أحد عروض الفنون الشعبية في معرض دمشق الدولي جدلاً يمكن وصفه بالهويّاتي بسبب استخدام آلة قال عنها مختصون إنها ليست عربية في الوقت الذي وضفت فيه الفقرة بأنها من التراث العربي.


وأبدت الأصوات المعترضة غيرة على تراثها وأصالتها إصراراً على عدم تشبهها بأقوام أخرى من خلال العزف بآلات دخيلة.


فقد رأى عدد من أبناء العشائر العربية أن إدخال الطبل و"الزرناية" أي المزمار، في عرض قُدِّم على أنه من التراث العربي لا ينسجم مع ما يعرفونه من موروثهم، مؤكدين أن هذه الآلات ليست من أدوات التراث العربي والعشائري الذي حفظته ذاكرتهم ونقلته الأجيال.


هذا الاعتراض، وإن بدا متعلقاً بتفصيل فني، أعاد فتح باب قديم حول التراث الشعبي: هل هناك صورة واحدة متفق عليها للتراث العربي؟ أم أن ما يعرفه البدوي يختلف عما يعرفه الريفي؟ وهل يكفي أن تستخدم جماعة ما أداة أو عادة لعقود طويلة حتى تصبح جزءاً من تراثها؟


ولفهم هذا الالتباس، التقى موقع Syria One الباحث في التراث عايش كليب، الذي وضع المسألة في سياقها التاريخي والاجتماعي، متوقفاً عند أصل الآلات ومسار انتقالها بين مكونات المنطقة.


الطبل و"الزرناية"


يشير عايش كليب إلى أن "الزرناية" ذات أصل تركي، لكنها عُرفت واستخدمت لدى الكرد والآشوريين في بلاد الرافدين، ومع التداخل بين الجماعات وانتقال العادات والفنون، دخلت إلى بيئات أخرى، وأصبحت حاضرة في بعض المناسبات والاحتفالات.


أما الآلات التي ارتبطت بالموروث العربي في المنطقة، فهي الشبابة والزمارة والربابة والمطبق وغيرها من الأدوات التي حضرت في الغناء والمناسبات العربية.


وهنا يظهر أول خيط في المشكلة: قد تستخدم جماعة عربية آلة ليست عربية الأصل، لكن هذا الاستخدام لا يجعل أصل الآلة عربياً بالضرورة. 


وهذا التفريق مهم عندما يكون العرض المقدم للجمهور يحمل عنواناً عاماً مثل "التراث العربي".


وفي حديثه عن الطبل، يوضح كليب أن العرب استخدموه تاريخياً، لكن استخدامه لم يكن بالضرورة مطابقاً لاستخدامه لدى مكونات أخرى في المنطقة.


ويشير إلى أن الطبل عند العرب ارتبط، في جانب من استخداماته التقليدية، بالحرب وإثارة الحماسة، بينما عرفته جماعات أخرى، ومنها الكرد والآشوريون، في سياقات اجتماعية واحتفالية أوسع.


ومع الزمن، كما يوضح الباحث، انتقلت بعض أنماط الاستخدام بين الجماعات، وأصبح الطبل حاضراً في مناسبات واحتفالات مختلفة.


وبالتالي فإن السؤال لا يتعلق بوجود الطبل نفسه، وإنما بشكل استخدامه والسياق الذي يُقدَّم فيه. 

يؤكد كليب أن الحديث عن التراث العربي يحتاج إلى التمييز بين التراث البدوي والتراث الريفي.


فالبدو، بحسب كليب، كانوا أكثر محافظة على تقاليدهم، بحكم نمط حياتهم وبعدهم النسبي عن المدن ومؤثراتها. ولذلك حافظوا بصورة أكبر على الشعر والغناء والعادات والأدوات التي ارتبطت بحياتهم اليومية.


أما الريف العربي، فكان أكثر اتصالاً بالمدن والأسواق والزراعة والتجارة والجماعات المجاورة، الأمر الذي جعله أكثر تعرضاً للتأثيرات الثقافية والفنية.


وهذا يعني أن ما يعتبره البدوي جزءاً أصيلًا من تراثه قد لا يكون بالضرورة هو نفسه ما عرفه العربي الريفي فالتراث ابن بيئته. 


ويتابع  كليب: الاختلاط لم يكن ظاهرة طارئة في المنطقة، بل جزءاً من الحياة الاجتماعية نفسها.


الريف أكثر احتكاكاً بالمدن، والقرى متجاورة، والأسواق تجمع الناس، والمناسبات الاجتماعية تفتح أبواباً واسعة للتبادل.


وهكذا لا تنتقل الآلات وحدها؛ تنتقل معها الألحان وطرائق الغناء والرقص وحتى بعض العادات. 


وقد تدخل آلة إلى بيئة جديدة، ثم يستخدمها الناس بطريقتهم، وبعد فترة يصبح حضورها مألوفاً.


هنا، كما يرى كليب، تبدأ الحدود بين "الوافد" و"المحلي" بالتداخل، لكن ذلك لا يعني اختفاء الأصل.


هل الاستخدام الطويل يجعل العنصر تراثًا؟


هذه واحدة من أكثر النقاط إثارة للالتباس في الحديث الشعبي عن التراث.


يقال أحياناً إن كل ما استمر مئة عام يصبح تراثاً. 


لكن المسألة، وفق مفهوم التراث غير المادي لدى اليونسكو، ليست مرتبطة برقم زمني ثابت.


فاليونسكو تركز على استمرار الممارسة، وانتقالها بين الأجيال، واعتراف الجماعة بها بوصفها جزءاً من تراثها، وقدرتها على التطور وإعادة الإنتاج.


وهذا ينسجم، في جانب منه، مع ما يشرحه كليب عن انتقال العناصر الثقافية بين الجماعات.


فالتراث ليس مجرد شيء قديم، وإنما شيء عاشه الناس ونقلوه واستمروا في ممارسته.


لكن هنا أيضاً يجب ألا نخلط بين أمرين: أن يصبح العنصر جزءاً من الممارسة الشعبية لجماعة ما، وبين أن ننسب أصله التاريخي إلى هذه الجماعة.


"الزرناية" على سبيل المثال، يمكن أن تصبح مستخدمة في بيئة عربية، لكن ذلك لا يجعل أصلها عربياً.


فالبزق ليس من الآلات العربية في أصل نشأته، لكنه دخل إلى المنطقة، واستخدمه الفنانون والمغنون، وأصبح مع الزمن حاضراً في الحياة الموسيقية المحلية العامة، والاعتراض الذي حدث في العرض ليس حالة معزولة بالضرورة، فهناك، كما في كثير من الأعمال الفنية التي تتناول التراث، انتقادات تأتي من الجمهور نفسه؛ لأن الناس يحملون في ذاكرتهم صورة خاصة لما يعتبرونه تراثهم.


فالعشائري الذي نشأ على الربابة والشعر والحداء، قد يرى أن إدخال آلة أخرى في عرض يقدم بوصفه تراثاً عربياً يمثل خروجاً عن الصورة التي يعرفها.


بينما قد يرى آخر، عاش في الريف أو المدينة، أن الآلة نفسها أصبحت جزءاً مألوفاً من الاحتفال الشعبي.


وهنا لا يكون الخلاف بالضرورة بين من يحب التراث ومن لا يحبه، وإنما بين ذاكرتين مختلفتين للتراث.


فالتراث العربي العشائري له خصائصه، والتراث العربي الريفي له خصائصه، وما استقر لاحقاً في المدن له خصائص أخرى.


وإذا كانت المناسبة تقدم تراثاً عربياً محدداً، فمن الطبيعي أن يسأل الجمهور عن أصل الآلات والأغاني والملابس والحركات المستخدمة.


أما إذا كان العرض يقدم صورة عن ممارسة شعبية تطورت مع الزمن، فإن وجود عناصر وافدة أو متأثرة بثقافات أخرى لا يعني بالضرورة أن العرض فقد هويته، لكن ينبغي أن تكون التسمية واضحة.


هل المطلوب أن نبقي التراث مغلقاً؟


لا يرى كليب أن التداخل الثقافي يمكن فصله عن الحياة الاجتماعية في المنطقة، فالتاريخ لم يكن تاريخ جماعات تعيش خلف حدود ثقافية صلبة، وإنما تاريخ تفاعل وانتقال وتأثر.


لكن التفاعل لا يعني أن كل شيء أصبح بلا أصل، وهنا تكمن مسؤولية الباحث والفنان معاً: أن يعرف كل عنصر من أين جاء، وكيف وصل، ومتى أصبح جزءاً من ممارسة المجتمع.


فإذا استخدم الفنان "الزرناية" لا مشكلة في ذلك من حيث المبدأ، لكن المشكلة تكون في أن تُقدَّم للناس باعتبارها آلة عربية أصيلة إذا كانت الأدلة التاريخية تقول غير ذلك.


وإذا استخدم البزق في عرض عربي، فهذا لا يعني أنه أعاد كتابة تاريخ البزق، بل يعني أنه يستخدم آلة أصبحت حاضرة في الموسيقى التي يؤديها.


وأخيراً، لا يمكن تجاهل صوت الناس، فأبناء العشائر الذين اعترضوا لا يتحدثون بالضرورة من فراغ؛ إنهم يستندون إلى ذاكرة متوارثة يرون فيها أن للتراث العربي أدواته وأشكاله التي يجب الحفاظ عليها.


وكذلك لا يمكن تجاهل ما يقوله الباحثون عن التداخل الثقافي الذي عرفته المنطقة.


لذلك فإن الحل ليس في إسكات أحد الطرفين، وإنما في تمييز المستويات.


ما هو عربي الأصل؟ ما هو بدوي؟وما هو ريفي؟ 


حين تقف فرقة شعبية على المسرح وتقدم عرضاً للتراث العربي، فإنها لا تقدم مجرد موسيقى ورقص. إنها تقدم رواية عن مجتمع.


ولهذا تصبح الأمانة مهمة بقدر أهمية جمال العرض. ليس المطلوب أن نغلق التراث أمام التطور، ولا أن نرفض كل تأثير جاء من الخارج.


لكن المطلوب ألا نخلط بين الأصل والاستخدام، وبين التراث الخاص والممارسة المشتركة.


عندها لا يعود الطبل و"الزرناية" سبباً لخلاف حول الهوية، بل مدخلاً لفهم الطريقة التي تشكل بها تراثنا.


فوضع التراث في صندوق مغلق لا يحفظه، ولا نحفظه أيضاً بأن ننسب إلى أنفسنا كل ما استخدمناه.


نحفظه عندما نعرّفه، ونوثقه، ونقول للناس بصدق: هذا أصلُه هنا، وهذا جاء من هناك، وهذا تبنيناه، وهذا ظل خاصاً بنا.


وعندها فقط يمكن أن يلتقي التراث العربي البدوي والريفي والمديني في مساحة واحدة، من دون أن يلغي أحدها الآخر، ومن دون أن تضيع الأصول تحت عنوان واسع اسمه "التراث العربي".


مقالات ذات صلة

الفنانة المصرية هالة فاخر تعلن تعافيها من الوعكة الصحية التي ألمت بها

الفنانة المصرية هالة فاخر تعلن تعافيها من الوعكة الصحية التي ألمت بها

أكدت الفنانة المصرية هالة فاخر تعافيها من الوعكة الصحية التي ألمت بها في الأيام الماضية، ومغادرتها المستشفى في اليوم نفسه الذي تلقت فيه الرعاية الطبية
96
الكاتبة المغربية الفرنسية سميرة العياشي.. النساء المهاجرات بقلب روايتها مدام بوفاري أمي وأنا

الكاتبة المغربية الفرنسية سميرة العياشي.. النساء المهاجرات بقلب روايتها مدام بوفاري أمي وأنا

تضع الكاتبة المغربية الفرنسية سميرة العياشي، النساء المهاجرات في قلب روايتها "مدام بوفاري، أمي وأنا"، التي تخطو نحو منصات التتويج العالمية
139
خريجون بالآلاف وأسواق عمل لا تستوعب الفائض.. عميد هندسة المعلوماتية لـ Syria One: إجمالي الطلاب  7000 في كلية لا تتجاوز طاقتها 500 طالب

خريجون بالآلاف وأسواق عمل لا تستوعب الفائض.. عميد هندسة المعلوماتية لـ Syria One: إجمالي الطلاب  7000 في كلية لا تتجاوز طاقتها 500 طالب

على مدى سنوات لم يعد النقاش حول الاستيعاب الجامعي في سوريا يدور حول عدد المقاعد التي تستطيع الجامعات توفيرها للطلاب فقط، بل انتقل تدريجياً إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا يحدث عندما تصبح وتيرة الاستيعاب أكبر من قدرة الجامعة على تأمين تعليم نوعي، ويصبح عدد الخريجين
235
ترك هولندا واستقر في دمشق.. إياد هاشم يقود مبادرة لصيانة المدارس ويؤكد لـ Syria One  أنه تم ترميم 1650 مقعداً مدرسياً حتى الآن

ترك هولندا واستقر في دمشق.. إياد هاشم يقود مبادرة لصيانة المدارس ويؤكد لـ Syria One  أنه تم ترميم 1650 مقعداً مدرسياً حتى الآن

قرر صانع المحتوى السوري الدكتور إياد هاشم، تحويل تأثير منصات التواصل الاجتماعي إلى عمل إنساني وميداني ملموس على الأرض، فبجهود تطوعية وذاتية، أطلق مبادرة محلية نجحت حتى الآن في ترميم وتأهيل مئات المقاعد المدرسية، في دمشق
169
مهرجان صيف القدموس يبرز الحرف والمنتجات المحلية السورية

مهرجان صيف القدموس يبرز الحرف والمنتجات المحلية السورية

تميزت فعاليات مهرجان صيف القدموس الموسم الثاني 2026، المقام في مدينة القدموس بطرطوس، بحضور لافت للمنتجات المحلية والحرف اليدوية
389
سيرياون إعلان 7