قرر صانع المحتوى السوري الدكتور إياد هاشم، تحويل تأثير منصات التواصل الاجتماعي إلى عمل إنساني وميداني ملموس على الأرض، فبجهود تطوعية وذاتية، أطلق مبادرة محلية نجحت حتى الآن في ترميم وتأهيل مئات المقاعد المدرسية، في دمشق، بالإضافة إلى ردم الحفر وإصلاح الطرقات في عدة أحياء، لتقديم نموذج ملهم في التكافل الشعبي، فالمبادرة التي بدأت بفكرة عفوية، باتت اليوم تحظى بدعم وتفاعل واسع من المجتمع المحلي والفعاليات الأهلية التي ساهمت في تأمين المواد الأولية لإنجاح هذا الجهد الشبابي.
اللافت أن، د.هاشم، هو طبيب أسنان ورجل أعمال سوري، كان مقيماً في هولندا لسنوات قبل أن يتخذ قراراً بالاستقرار نهائياً في سوريا، وبدلاً من الاكتفاء بأعماله الخاصة، اختار استثمار طاقته وعلاقاته عبر السوشيال ميديا لإحداث فرق حقيقي في البنية التحتية والمرافق التعليمية التي تحتاج إلى رعاية ودعم، وسط دعم كبير من السوريين.
وعن كواليس إطلاق المبادرة، قال د.هاشم في حديث لـSyria One: "إن أكثر ما حمسني لخوض هذه التجربة هو إيماني بأن سوريا بمثابة منجم من الحسنات، فإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وإصلاح المقعد المدرسي صدقة أيضاً.. لقد وضعت نفسي أمام خيارين؛ إما الجلوس والتذمر والتساؤل عن سبب واقع المدارس والشوارع، أو النزول إلى الميدان حاملاً المعول والمكنسة للتنظيف، والشاكوش والمثقاب للإصلاح والترميم"، متابعاً: "عجلة العمل إن لم نقم بتدويرها بأنفسنا فستسير ببطء شديد.. لقد بدأنا العام الماضي برفقة مجموعة من شباب الحي بجهود واجتهادات شخصية وبتمويل ذاتي من عائلتي، ومع رؤية الإنجازات والمقاعد المتينة التي نقوم بصنعها، بدأ الناس يثقون بعملنا ويبادرون بالتبرع.. وتمكنا العام الفائت من صيانة نحو 300 مقعد مدرسي".
وأضاف: "هذا العام بدأنا العمل منذ نحو شهرين، ولم نكن نملك في البداية سوى 300 دولار فقط، ولكن بعد نشر الفيديو الأول تفاعل الناس بحماس كبير وتوالت المساهمات، نجحنا حتى اليوم في إنجاز وترميم 1650 مقعداً مدرسياً، وتمكنا من صيانة وإصلاح مدارس حي الزاهرة بالكامل"، متابعاً: "مع توفر فائض مالي بفضل مساهمات الخيّرين، سننتقل إلى حي الزهور، حيث نخطط لصيانة وترميم 3 مدارس إضافية في الحي بحلول يوم الأحد المقبل".
وحول التفاعل المجتمعي مع المبادرة، كشف هاشم، عن اضطراره لإيقاف استقبال مساهمات المدارس، قائلاً: "حجم تجاوب الناس كان كبيراً وفوق التوقعات، والجميع يرغب بتقديم التبرعات لصيانة المزيد من المقاعد، ولكن بالنظر إلى عامل الوقت، لم يتبقَّ أمامنا سوى أسبوع واحد فقط قبل انطلاق العام الدراسي، والحمد لله نمتلك حالياً ميزانية تكفي لإنجاز المدارس الثلاث المقررة لهذا الأسبوع، وسيفيض منها بعض المال أيضاً.. لقد اعتذرت من الناس وأعلنت إيقاف التبرعات المخصصة للمدارس، فليس من المقبول أن أستلم أموالاً دون القدرة على استثمارها على الأرض فوراً. ولهذا، اقترحت على الراغبين بالدعم توجيه مساهماتهم نحو مسارات ميدانية أخرى مثل ردم وترميم حفر الشوارع، أو زراعة الأشجار، وغيرها من المبادرات التي تحمل الخير والتعمير لهذا البلد، أما ملف المدارس فقد اكتفينا فيه تماماً".
وبالنسبة لما يسعى لتكريسه من خلال محتواه، قال هاشم: "الفكرة الأساسية والأهم التي أحرص على إيصالها عبر الفيديوهات التي أنشرها، هي أننا نستطيع تحقيق إنجازات كبيرة جداً بمبالغ بسيطة، سواء كانت مئة ألف ليرة أو مئة دولار، بشرط ترشيد النفقات والعمل بطرق غير مكلفة، ببساطة؛ يمكنك صيانة مدرسة بمئة ألف دولار، ويمكنك أيضاً صيانة مدرسة بمئة دولار فقط! والأهم بالنسبة لي هو تقديم أكبر نفع ممكن وفق الاستطاعة المتاحة"، متابعاً: "أول مدرسة بدأنا العمل بها لم نكن نملك لها سوى 100 دولار فقط، ولكن بفضل تجاوب الناس وتدفق التبرعات، نجحنا في صيانة وتأهيل 12 مدرسة بدلاً من مدرسة واحدة، وهو إنجاز كبير نعتز به".
وختم د.هاشم، كلامه، قائلاً إن الرسالة الجوهرية لمحتواه ومبادرته تتلخص بأن "الفكرة الأهم والهدف الأسمى الذي يعمل لأجله هو تغيير ثقافة المجتمع، والانتقال بها من مرحلة التذمر إلى مرحلة العمل الفعلي على الأرض.. كل إنسان قادر على إعمار سوريا وتغيير واقعها بطريقته الخاصة، ولكن بشرط أن ينهض ويبدأ العمل"، مشدداً بنفس الوقت على أن "التذمر والشكوى المستمرة لا يجلبان خيراً، ولا يسهمان في إعمار سوريا، هما مجرد وسيلة لتفريغ الشحنات الداخلية من الغضب والحزن ليس إلا، وهذا المفهوم هو القيمة الأساسية التي يحاول ترسيخها ونشرها في كل الفيديوهات التي يقدمها".






