مجتمع

خوف من الالتزام أم واقع اقتصادي خانق؟ الباحثة كردي لـ Syria One: "فكرة الزواج أصبحت أقل جاذبية"

219
الزواج عبر الانترنتلميس حسين

لم يعد الحديث عن تراجع الإقبال على الزواج في سوريا مجرد انطباع عام أو ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى ملف اجتماعي متكامل تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والنفسية والسلوكية، وتنعكس آثاره على بنية الأسرة ومستقبل العلاقات العاطفية.


ومع اشتداد الأزمات المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة، برزت ظاهرة موازية تتمثل في التعارف والزواج عبر الإنترنت، كبديل يلجأ إليه الشباب داخل البلاد وخارجها، في محاولة لتجاوز المسافات والظروف التي فرضتها الحرب والهجرة.


مغامرة غير محسوبة


تقول الباحثة النفسية والمستشارة الأسرية عزة كردي لـ Syria One إن فهم عزوف الشباب عن الزواج يتطلب النظر إلى الواقع الاقتصادي أولاً، فتكاليف المعيشة ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، وأزمة السكن باتت عائقاً أساسياً أمام أي مشروع ارتباط، مضيفة أن البطالة أو عدم استقرار الدخل جعلت فكرة تأسيس أسرة تبدو مغامرة غير محسوبة، بينما تحولت المهور ومتطلبات الزفاف إلى عبء يفوق قدرة معظم الشباب.


وترى كردي أن هذه الضغوط المادية ترافقت مع تغيرات اجتماعية عميقة، إذ أصبح كثير من الشباب يفضلون استكمال تعليمهم أو تحقيق استقلالهم المهني قبل التفكير بالارتباط، كما أن ارتفاع معدلات الطلاق خلق نوعاً من الخوف الجماعي من الفشل، ما جعل فكرة الزواج أقل جاذبية وأكثر تعقيداً.


عقدة الالتزام


العوامل الاقتصادية والاجتماعية ليست وحدها في المشهد، فبحسب كردي هناك أسباب نفسية لا تقل تأثيراً، أبرزها الخوف من فقدان الحرية الشخصية، وتردد البعض في تحمل مسؤوليات طويلة الأمد، إضافة إلى ما تسميه "عقدة الالتزام"، وهي حالة تنشأ غالباً نتيجة تجارب عاطفية سابقة غير ناجحة أو مشاهدات محبطة في محيط الأسرة والأصدقاء، هذه العوامل مجتمعة جعلت الزواج التقليدي خياراً مؤجلاً أو مستبعداً لدى شريحة واسعة من الشباب.


كذلك لعبت الهجرة دوراً محورياً في إعادة تشكيل العلاقات العاطفية، فمع تشتت الأسر وتوزع أفرادها بين دول مختلفة، أصبحت العلاقات عن بُعد واقعاً مفروضاً، ووجد كثيرون في الإنترنت وسيلة لتعويض الفقد العاطفي أو البحث عن شريك خارج الحدود.


وتوضح كردي أن الإنترنت كسر الحواجز الجغرافية والطبقية، وفتح الباب أمام خيارات واسعة للتعارف، لكنه في الوقت نفسه خلق نمطاً جديداً من العلاقات السريعة التي قد تبدو قابلة للاستبدال بسهولة، ما جعل بعض الروابط هشّة وغير مستقرة.


زواج رقمي


وبخصوص الزواج عبر الإنترنت، ترى كردي في حديثها لـ Syria One أنه ليس ظاهرة صحية أو خطرة بحد ذاته، بل أداة تعتمد نتائجها على وعي الطرفين، فحين يُستخدم التعارف الإلكتروني كبداية فقط، ثم ينتقل سريعاً إلى لقاءات واقعية ومعرفة العائلتين، يمكن أن يكون مدخلاً ناجحاً لعلاقة متوازنة، أما حين يبقى محصوراً في العالم الافتراضي، ويُبنى على صور مثالية أو معلومات غير دقيقة، فإنه يتحول إلى مساحة خصبة للخيبات والاحتيال العاطفي والمادي، مشيرة إلى أن تقييم جدية الطرف الآخر يتطلب مراقبة تطابق الأقوال مع الأفعال، ووضوح الخطط المستقبلية، والرغبة في إشراك الأهل مبكراً، إضافة إلى عدم التهرب من اللقاء الواقعي عند توفر الظروف.


قصص متباينة


وتتعدد قصص النجاح والفشل في هذا النوع من العلاقات، فهناك من بدأوا تعارفهم عبر الإنترنت ثم توّجوه بزواج مستقر، وهناك من اكتشفوا بعد أشهر طويلة من التواصل أن الطرف المقابل قدّم صورة مختلفة تماماً عن واقعه، بعض القصص انتهت بخسارات مالية أو عاطفية، وأخرى تحولت إلى شراكات حقيقية أثبتت أن الإنترنت ليس سوى وسيلة، وأن جوهر العلاقة يبقى في الصدق والوضوح والقدرة على مواجهة الواقع.


زواج يفتقر إلى الأصل


أما على المستوى القانوني، فتبرز تحديات إضافية، خصوصاً عندما يكون الطرفان من بلدين مختلفين، فتوثيق العقود العابرة للحدود قد يكون معقداً، والتحقق من البيانات الشخصية مثل الحالة الاجتماعية أو السوابق القانونية ليس سهلاً، وتوضح كردي أن هذه التعقيدات تجعل بعض الزيجات الإلكترونية عرضة للمشاكل لاحقاً، خاصة إذا لم تُبنَ على أسس واضحة منذ البداية.


واجتماعياً، لا تزال هناك نظرة متحفظة تجاه الزواج عبر الإنترنت، إذ يعتبره البعض زواجاً يفتقر إلى الأصل أو المعرفة العميقة بالخلفية العائلية، بينما يرى جيل الشباب أنه خيار عصري يتناسب مع إيقاع الحياة الحديثة.


في النهاية، يبدو أن العزوف عن الزواج وصعود الزواج عبر الإنترنت هما وجهان لتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تعيشها سوريا، فبين ضغوط المعيشة، وتغير توقعات الأجيال، واتساع الفجوة بين الواقع والطموح، يبحث الشباب عن طرق جديدة لبناء علاقاتهم، سواء عبر الطرق التقليدية أو الرقمية.


وتؤكد الباحثة عزة كردي أن الحل لا يكمن في رفض هذه الظواهر أو تبنيها بالكامل، بل في تعزيز الوعي، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وفتح نقاش مجتمعي صريح حول معنى الزواج اليوم، وكيف يمكن أن يبقى مؤسسة قادرة على الصمود في وجه التغيرات المتسارعة.


مقالات ذات صلة

هل يدخل "تفل" التفاح في صناعة الخبز السوري؟.. خبير لـ Syria One: يحسن جودة الرغيف ويدعم الاقتصاد الزراعي

هل يدخل "تفل" التفاح في صناعة الخبز السوري؟.. خبير لـ Syria One: يحسن جودة الرغيف ويدعم الاقتصاد الزراعي

في كل موسم تفاح، تتحول كميات من التفل الناتج عن عصر الثمار إلى مخلفات قليلة الفائدة، إلا أن دراسة ماجستير سورية، دعمتها مبادرة المشاريع الأسرية التنموية، تقترح تحويل هذه البقايا إلى مكون طبيعي أساسي في صناعة الخبز، بما يسهم في تحسين جودة الرغيف
462
التحالف بقيادة السعودية يضرب "مواقع عسكرية" في اليمن.. وترامب يترك الباب مواربا للدبلوماسية

التحالف بقيادة السعودية يضرب "مواقع عسكرية" في اليمن.. وترامب يترك الباب مواربا للدبلوماسية

شن التحالف الذي تقوده السعودية غارات استهدفت "مواقع عسكرية" تابعة للحوثيين في اليمن وفقاً للمتحدث باسم التحالف، فيما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجوم صاروخي استهدف مدينة جيزان في جنوب السعودية السبت
101
بين الأسرة والمدرسة والمناهج.. لماذا يصل بعض الأطفال إلى الصفوف الأولى دون تأسيس كافٍ؟

بين الأسرة والمدرسة والمناهج.. لماذا يصل بعض الأطفال إلى الصفوف الأولى دون تأسيس كافٍ؟

تعتبر السنوات الأولى من التعليم المرحلة الأهم في بناء مهارات القراءة والكتابة عند الطفل، إلا أن شكاوى متزايدة من أولياء أمور ومعلمين تشير إلى انتقال بعض التلاميذ إلى الصفوف التالية دون امتلاك الحد الأدنى من المهارات الأساسية
793
دمشق وريفها تشتكي من الكلاب الشاردة.. مصدر بالمحافظة لـ Syria One: نتواصل مع جمعيات حماية الحيوان لحل المشكلة

دمشق وريفها تشتكي من الكلاب الشاردة.. مصدر بالمحافظة لـ Syria One: نتواصل مع جمعيات حماية الحيوان لحل المشكلة

باتت الكلاب الشاردة تشكل هاجساً للأهالي في معظم المحافظات السورية، ولاسيما دمشق، خاصة مع تداول صور وفيديوهات توثق تجمع هذه الكلاب في الطرقات، حيث لم يعد الأمر يقتصر على الضواحي أو المناطق العشوائية
148
مدير المسرح السوري لـ Syria one: مهرجان سوريا المسرحي خطوة أولى في خطة متكاملة وهناك تحضيرات لإحياء مهرجان دمشق المسرحي

مدير مهرجان سوريا المسرحي لـ Syria one: المهرجان خطوة أولى في خطة متكاملة وهناك تحضيرات لإحياء مهرجان دمشق المسرحي

تشهد الحركة المسرحية في سوريا محاولات للنهوض بالمسرح السوري من حالة الركود وتراجع المستوى التي عاشها منذ العام 2011، ويلاحظ خلال المرحلة الأخيرة نهضة للمسرح السوري بتجارب خاصة وأخرى تم دعمها من قبل الحكومة السورية، إلا أن الحدث الأبرز بالنسبة للمسرحين السوريين حالياً هو التحضيرات القائمة لإنتاج مهرجان سوريا المسرحي الأول
201
سيرياون إعلان 7